الشيخ الفضلي

ترك الإسلام السياسي وغاص في علوم العربية

الرياض- لرحلة الشيخ عبد الهادي الفضلي من النجف إلى جدة -حيث عمل رئيساً لقسم اللغة العربية في جامعة الملك عبد العزيز- دلالة على أن الاختلاف الطائفي لا يوقف أمام عزم العلماء في تحقيق رسائلهم، ولا تحجب المدن مهما كانت الحواجز الطائفية فيها التعايش. فالشيخ الفضلي وهو عالم دين شيعي من أهل الإحساء درس في النجف ثم انتقل إلى جدة، توفى مؤخراً وشيع إلى مثواه الأخير في مدينته سيهات من مدن محافظة القطيف بالمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية.

وقد نشرت الصحف السُّعودية نعياً للشِّيخ عبد الهادي ميرزا الفضلي، مع صور من محطات حياته.

دوره في الدعوة

والشيخ الفضلي إذا جرى الحديث عن الإسلام السِّياسي العِراقي، بنسخته الشِّيعية، يحضر اسمه، وإذا جرى الحديث عن البحث الفقهي يحضر كتاب الفضلي «أُصول البحث»(1990)، هو وكتاب «منهج البحث الأَدبي»(1986) لكبير النُّقاد علي جواد الطّاهر (ت 1996) يُعدان مِن المراجع في هذا الضرب مِن المعرفة، بداية مِن تعيين موضوع البحث مروراً في تحضير مادته إلى إنجازه، بل إن الطَّاهر يأخذ بيد المؤلف مِن الخطوة الأُولى حتى يسلم مؤلفه إلى المطبعة.

ظل الفضلي، يتردد بين النَّجف والبصرة، حتى استقر بالنَّجف ليتركها العام 1971 إلى مدينة جدة، ويتعين مدرساً بجامعة الملك عبد العزيز، وكان قد نال شهادتي البكالوريوس والماجستير في اللغة العربية، ثم بعثته الجامعة المذكورة على حسابها للدراسة بجامعة القاهرة، وعاد إليها العام 1976 فأخذ يُدرس علوم اللغة والأدب من صرف ونحو وعروض مع تدريس تحقيق المخطوطات. أسس بجامعة الملك عبد العزيز قسم اللغة العربية، وصار أول رئيس له، وعضواً مؤسساً دائماً في لجنة المخطوطات بالجامعة نفسها، وأشرف على رسائل الماجستير والدكتوراه فيها.

الدولة السعودية ممثلة بأمير الشرقية تعزي بوفاة الفضلي
وحسب المقال الذي كتبه الباحث رشيد الخيون (مجلة المجلة) كان الفضلي أحد أعضاء جماعة العلماء، التي تأسست بالنَّجف بعد تموز 1958 لمواجهة اليسار العراقي، الممثل بالحزب الشِّيوعي، وكانت تتكون مِن فئتين: فئة العلماء الكبار وفئة الشَّباب، والفضلي مِن الفئة الثَّانية. يقول أحد هؤلاء الشَّباب آنذاك وهو السَّيد طالب الرِّفاعي: «انتخب هؤلاء عشرة مِن الشَّباب كطبقة ثانية بعد طبقتهم الأُولى، ويبقون تحت شُعاع العشرة الأُولى، ليكونوا مساعدين لهم، وكنت أحد هؤلاء الشَّباب مِن المعممين أيضاً. كان مِن العشرة الثَّانية: السَّيد محمد مهدي الحكيم، والسَّيد محمد سعيد الحكيم (المرجع الحالي بالنَّجف)، والشَّيخ عبدالحليم الزِّين، والشَّيخ عبدالهادي الفضلي، والسَّيد جعفر بحر العلوم، والشَّيخ محمد علي الزّين، والشَّيخ محمد مهدي السّماوي، ومَن فاتني ذكر اسمه، وأنا»(أمالي السيد طالب الرفاعي).

أول تمرد في الدعوة

تولى الفضلي مع جماعة آخرين قيادة الحزب بالنَّجف ودخل الأخير في النزاع بين أهل العمائم والأفندي داخل الحزب، وكان إلى جانب السَّيد طالب الرِّفاعي في هذا الأمر. وحسب كتاب «آمالي السيد طالب الرفاعي»، أن الشيخ الفضلي والسيد الرفاعي قادا أول انشقاق في حزب الدَّعوة ضد الأفندية (غير المعممين). يقول الرِّفاعي: «وكان الشَّيخ عبد الهادي الفضلي يحمل مثل تلك الأفكار، في التَّمييز بين أهل العمائم وحاسري الرؤوس (الأفندية) داخل التَّنظيم. قال لي الفضلي: ألا رأيت ماذا فعل الأفندية بنا؟ فقلت له: صحيح ما تقول ولا بدَّ من أن نفعل شيئاً! فقال: أنا بخدمتك أبو آمنة! فصارحته: يجب أن نأخذ زمام القيادة في الحزب، أي كمعممين! فقال: أنا تابع لك، لكن أنا وأنت لا نتمكن مِن فعل شيء. فما رأيك بعدنان البكّاء! وكان حينها مِن المعممين. فقلت: إن البكّاء يأتي في الدَّرجة الرَّابعة، وأنا في الدرجة الأولى، وأنت في الثَّانية، في داخل التَّنظيم. أليس هذا يعتبر طفرة في تسلسل الدَّرجات الحزبية؟ فقال: أرى أن يكون معنا السَّيد عدنان البكّاء. وكان كذلك (أمالي السَّيد طالب الرِّفاعي).

كلُّ هذا جرى في شرخ الشَّباب، وفي مواجهة ظرف عصيب، مثلما يعتبره الإسلاميون، فكان عمر الفضلي في تلك الأيام لم يتجاوز الخامسة والعشرين، لكن بعد ذلك توجه إلى الدرس وطلب العِلم، وألف كتباً عديدة تصل إلى خمسة وسبعين كتاباً، وبينها ما صدر في أكثر مِن مجلد. وأن فترة سبعة عشر عاماً (1971-1988) مِن التدريس وممارسة الإشراف العلمي بجامعة الملك عبد العزيز حتى تقاعده.

إن مثلَ عِمامة عبد الهادي الفضلي لا تفرط في إنسانية ولا تعتمر على كراهية، فقد ولد ونشأ بالبصرة، تلك المدينة المختلطة، التي تعلم ساكنوها القدرة على التعايش، وتعلم بالنَّجف وصَلب عوده فيها، حيث مارس السِّياسة، دون أن تأخذه بعيداً، فما هي إلا أعوام ويفيق لتحقيق حلمه في العِلم، ثم وصل مدينة جدة وهو ناضج، وهي الأخرى مفتوحة لا تضيق بإنسان مثل الفضلي، ومات بالقطيف وشيع في مدينته سيهات، وكلها أسماء كتب التَّاريخ ورحلات الرحالين ملأى بأخبارها.

من مؤلفات الفضلي: القراءات القرآنية: تاريخ وتعريف، قراءة ابن كثير وأثرها في الدراسات النحوية ـ رسالة دكتوراه 1975، أصول الحديث،أصول علم الرجال

الإسلام مبدأً، التربية الدينية: دراسة منهجية لأصول العقيدة الإسلامية

خلاصة علم الكلام، خلاصة المنطق، أهل البيت – دراسة معجمية دينية في المصطلح، المبدأ الأول في الفكر اليوناني قبل سقراط، مذكرة المنطق، مذهب الإمامية: بحث في النشأة وأصول العقيدة والتشريع.

نشرت في العرب اللندنية