الثورة السورية في مواجهة الخطر القطري

يبدو ان غسان هيتو الاسوأ حظا من بين زعامات المعارضة السورية. فالرجل الذي وضعته قطر على رأس حكومة انتقالية لن تر النور صار سببا وجيها لكي يعلن الكثيرون رأيهم الحقيقي بوضع المعارضة السورية من حيث توجهاتها وارتباطاتها والاملاءات التي توجهها والضغوط التي تمارس عليها. ما أن أعلن عن اسم هيتو وهو اميركي من أصل سوري حتى عبرت أطياف أصيلة من المعارضة السورية عن دهشتها واستغرابها. ذلك لان أحدا لم يكن قد تعرف عليه من قبل. الجيش السوري الحر وهو كبرى القوى المقاتلة على الارض، داخل سوريا من جهته لم يعترف بشرعية هيتو رئيسا لحكومة انتقالية. وانطلاقا من استيائهم بسبب تعيينه صار المعارضون خارج سوريا يصدرون بيانات منددة بالمناقصات التي صارت قطر ترعاها من اجل أن يتسيد طيف واحد من المعارضة السورية محتكرا الثورة لحسابه الخاص. والاشارة هنا تتوجه مباشرة الى حركة الاخوان المسلمين وهي الجهة المعارضة الوحيدة المتبناة قطريا. وكما يبدو فقد وجد المعارضون السوريون في تعيين هيتو مناسبة للكشف عما يخطط للثورة السورية مستقبلا.

التشكيك بنزاهة انتخاب هيتو يفتح الباب على مصراعيه في اتجاه مراجعة الدور الخطير التي باتت دولة قطر تلعبه، لا على مستوى تمويل التمرد المسلح داخل سوريا، حسب بل وايضا على البنية السياسية للمعارضة السورية، وهي بنية من شأن تركيبتها أن توحي بشكل ومضمون الدولة السورية المتخيلة في حالة انهيار النظام الحاكم في دمشق. أطياف المعارضة المدنية باتت على يقين من أن قطر تعد العدة كاملة من أجل اقامة دولة جديدة للاخوان في المنطقة، بعد دولتهم في مصر. وهكذا تكون الثورة السورية قد تمت سرقتها واحتواؤها قبل أن تنجز هدفها الاساس، الا وهو اسقاط النظام. سوريا "الجديدة" حسب المعارضة صارت على الورق جاهزة لكي تكون حاضنة لشريعة الاخوان، وهي شريعة لا تعنى بوحدة سوريا ولا بوحدة شعبها.

اليوم صار الحديث عن الخطر القطري معلنا. كما لو أن هيتو كان اشارة النحس التي ايقظت المارد النائم في عتمة القارورة. فالخطر القطري كان قائما قبل هيتو وسيظل كذلك بعده. ذلك لان الجهات التي رهنت الثورة السورية لدى قطر كانت تعرف جيدا ان ذلك الرهن لن يتم من غير ثمن باهظ. المطلعون على سيرة قطر في اسواق المال العالمية وبالاخص في مجال العقارات يعرفون جيدا أن ما تقدمه الامارة باليد اليمنى لابد أن تقبض ثمنه اضعافا مضاعفة باليد اليسرى. ولم يعرف عن قطر ميلها إلى نزعة الخير إلا إذا كانت تلك النزعة تخدم أغراضا استعراضية، تكون هي الأخرى مرتبطة بأهداف سياسية مبيتة، كما جرى في غزة، حين دعمت قطر حماس من أجل أن تفك الحركة الاسلامية المتشددة ارتباطاتها بايران. وهو ما وقع فعلا.

المعارضة السورية، ممثلة بالاجنحة المدنية تبدو اليوم في أسوأ مراحلها. فالمعارضون السوريون الاصلاء، الذين رفعوا شعارات الثورة منذ اليوم الاول لها يقفون اليوم وبسبب الاحتواء القطري أمام خيارين، أحلاهما مر: اما أن يقبلوا بالغطاء الاخواني، بكل ما يمثله من سرقة علنية للثورة وبكل الاخطار المستقبلية التي ينذر بها واما أن يتم استبعادهم واستبدالهم برجال من نوع هيتو.

الانقلاب التصحيحي لمسار الثورة هو الحل. سيضحك السوريون كثيرا. ذلك لان ذلك المفهوم يذكرهم بالحركة التصحيحية التي قادها الاسد الاب ايام زمان. هذه المرة لا يملك المعارضون السوريون من سبل للتصحيح الا الكلام جهرا بالحقيقة وفضحا للمخططات السرية التي وضعت ثورة الشعب في خدمة الثروة القطرية. لا بأس بحالة أضعف الايمان هذه، بدلا من الاستمرار في خداع الشعب والمتاجرة بدماء شهدائه.