برنامج 'نطاقات' ينفع اقتصاد السعودية ويضر بشركاتها

فرط الاعتماد على الوافدين أحدث قصورا في التوظيف

عندما سجلت شركة أبناء عبد الله عبد المحسن الخضري هبوطا نسبته 50 بالمئة في صافي أرباحها لعام 2012، عزت ذلك إلى أسباب على رأسها ضغوط حادة على التكاليف جراء المتغيرات السريعة بسوق العمل في السعودية أبرزها برنامج توطين الوظائف الذي يعرف باسم "نطاقات".

وواجهت ثالث أكبر شركة مدرجة بسوق الأسهم السعودية ضمن قطاع البناء والتشييد والتي تتجاوز قيمتها السوقية 1.4 مليار ريال (385 مليون دولار) تأخر تنفيذ بعض المشروعات وارتفاعا في التكاليف المباشرة بسبب التأخر في إصدار التأشيرات وإصدارها بأعداد أقل بكثير عن العدد المطلوب للوفاء بالتزامات العقود.

وقالت الشركة آنذاك "على الرغم من الجهود المبذولة للمواطنين الذين انضموا مؤخرا للانخراط بالعمل كجزء من تدريبهم، فإن ارتفاع معدل الدوران لأعلى من 40 بالمئة وكذلك قلة الرغبة التي ظهرت للمشاركة في مشاريع البناء والنظافة أدت إلى زيادة التكاليف المباشرة للقوى العاملة."

وكان صندوق النقد الدولي، قال إن رواتب العمال السعوديين في قطاع التشييد والبناء تبلغ خمسة أمثال ما يتقاضاه العامل الوافد بينما لا توجد تلك الفجوة في المناصب الإدارية.

وتسلط تلك العقبات التي تواجه شركة مثل الخضري - التي نفذت منذ عام 1966 مشروعات لعدد من الشركات الحكومية من بينها عملاق النفط السعودي أرامكو ـ الضوء على التحديات التي تواجه خطط الحكومة للحد من الاعتماد الكبير على العمالة الوافدة رخيصة التكلفة وقليلة الخبرة.

إلا أن هناك شبه إجماع بين الاقتصاديين على أن ايجابيات البرنامج تطغى على سلبياته.

وعلى مدى العامين الماضيين، أطلقت وزارة العمل عددا من البرامج الرامية لإصلاح سوق العمل ورفع نسبة السعوديين العاملين بالقطاع الخاص حيث عدلت نظام حصص التوظيف القائم في القطاع الخاص، وفرضت غرامات على الشركات التي تعين عددا من المغتربين أكبر من عدد موظفيها السعوديين.

ويقول فاروق سوسة كبير الاقتصادين لدى سيتي غروب "تأثير برنامج نطاقات على الشركات الفردية سيكون سلبيا بشكل واضح مع ارتفاع تكلفة الموظفين ورواتب السعوديين وحاجتهم للمزيد من التدريب."

ووفقا لصندوق النقد تسجل الشركات الصغيرة والمتوسطة 25 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي السعودي و63 بالمئة من إجمالي العاملين في القطاع الخاص و98 بالمئة من إجمالي عدد المنشآت.

ويقول الصندوق "الخطر في الاعتماد على نظام الحصص.. يكمن في صعوبة تطبيقه وارتفاع تكلفة التطبيق وهو ما يكبد الشركات تكلفة إضافية كبيرة وربما يعوق تقدم عملية تنويع الاقتصاد."

ومنذ طفرة النفط في سبعينات القرن العشرين تستعين السعودية بأعداد متزايدة من العمال الأجانب لاسيما من آسيا والدول العربية المجاورة.

وبلغت نسبة الوافدين 32 بالمئة من إجمالي سكان السعودية الذين بلغ عددهم 29.2 مليون نسمة في 2012 بارتفاع كبير عن المستوى المسجل عند أكثر من 11 بالمئة في 1974.

ونتيجة لذلك يمثل الوافدون 55 بالمئة من إجمالي القوة العاملة البالغة نحو 11 مليونا. وبحسب دراسة لصندوق النقد صدرت في سبتمبر/ايلول، أدى ذلك إلى تحويل ما يبلغ في المتوسط 18 مليار دولار سنويا من الاقتصاد على مدى السنوات العشر الماضية أو ما يعادل 6.2 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة.

ومثلهم مثل الكثير من مواطني دول الخليج، يفضل السعوديون الوظائف الحكومية اليسيرة ذات العائد المادي الأكبر لذا لم يمثلوا سوى عشرة بالمئة من إجمالي العاملين بالقطاع الخاص خلال السنوات الأخيرة، على الرغم من نمو القوى العاملة المحلية إلى ما يقرب من مثلي مستواها لتصل إلى خمسة ملايين خلال الفترة من 1999 – 2012.

ويشغل الوافدون عادة وظائف تقنية مرتفعة الأجور لا يمتلك الكثير من السعوديين الخبرة الكافية للعمل فيها، كما يعملون ايضا في وظائف متدنية الأجور يراها السعوديون مهينة.

وبفضل العمالة الأجنبية الرخيصة تمكنت الشركات السعودية من الحفاظ على هوامش الأرباح عند مستوى مرتفع نسبيا، ودفعت الاقتصاد السعودي للنمو دون التأثر بضغوط ارتفاع الأسعار وارتفاع سعر الصرف التي عادة ما تضر باقتصادات الدول المنتجة للنفط.

إلا أن فرط الاعتماد على الوافدين أحدث قصورا في التوظيف.

وتحدثت رويترز مع اثنين من أصحاب الشركات المتوسطة العاملة في نشاط الإنشاءات والمقاولات بالقطاع الخاص، قالا إنهما سارعا إلى تعيين المواطنين السعوديين بعد برنامج نطاقات لكن ذلك لم يكن لحاجة لتلك العمالة وإنما لتحقيق النسبة المطلوبة للتوطين.

وقال صاحب شركة مقاولات طلب عدم ذكر اسمه إنه عين ثلث المواطنين السعوديين العاملين لديه لحاجة الشركة الفعلية لهم بينما جرى تعيين الثلثين للوصول إلى النطاق الأخضر وهو الشريحة الأعلى ضمن برنامج نطاقات والتي تحصل الشركات المصنفة تحتها على تسهيلات وامتيازات.

يقول الخبير الاقتصادي عبد الوهاب أبو داهش "معظم الشركات السعودية مزدحمة بالعمالة الاجنبية.. حتى في منازلنا لدينا الكثير من العمالة الزائدة عن احتياجاتنا من الخادمات والسائقين."

ويضيف ان تبني سياسات ناجحة للحد من العمالة غير الضرورية سيخلق مزيدا من التنافسية في الاقتصاد.

كان مسؤولون بوزارة العمل قالوا في مارس/اذار إن هناك 500 الف منشأة بالسوق المحلية لا يوجد فيها سعودي واحد.

ويرى اقتصاديون بوجه عام أن الأدلة واضحة على نجاح برنامج نطاقات في توفير المزيد من الوظائف للسعوديين.

ففي مارس/اذار، قالت الوزارة إن الإصلاحات التي قامت بها لسوق العمل المكتظة بالمغتربين وفرت أكثر من 600 ألف فرصة عمل للسعوديين في القطاع الخاص بزيادة كبيرة عن المعدلات السابقة.

يقول سوسة لدى سيتي جروب "الاقتصاد بوجة عام سيستفيد من زيادة معدلات التوظيف وزيادة الإنفاق وتراجع التحويلات"، مبينا أن إيجابيات البرنامج تفوق المخاوف المتعلقة بالتكاليف وكفاءة العمالة على مستوى الشركات.

وبعدما ارتفع معدل البطالة في 2011 إلى 12.4 بالمئة مسجلا أعلى مستوى منذ 1999 على الأقل تراجع هذا المعدل في 2012 وحدها إلى 12 بالمئة.

والحد من معدل البطالة بين السعوديين أحد التحديات الاستراتيجية طويلة الأجل أمام السعودية أكبر مصدر للنفط في العالم خاصة وأن البطالة كانت أحد الأسباب الرئيسية وراء اندلاع ثورات الربيع العربي في بلدان قريبة.

لكن مع ذلك لا يزال هناك 602 الف و853 عاطلا وفق بيانات 2011 ويمثل السعوديون بين 15 و29 عاما 78 بالمئة من العاطلين عن العمل.

وعلى الرغم من انخفاض معدل البطالة بين الرجال إلى أدنى مستوى في 13 عاما عند ستة بالمئة العام الماضي زاد معدل البطالة بين النساء إلى 35.7 بالمئة منذ 1999 مع سعي الكثير من النساء في البحث بجدية عن العمل بدافع من السياسات الحكومية المشجعة والضرورات الاقتصادية.

وقال خالد الخضير مؤسس موقع جلو وورك المتخصص في توظيف النساء إن برنامج نطاقات "أحد أنجح البرامج التي شهدتها سوق العمل على مدى السنوات الماضية إذ أصبحت الشركات الآن تستثمر في رأس المال البشري والتدريب والتطوير".

وأضاف "نحن نشهد تغيرا كبيرا في عاداتنا.. أحد أسباب أن 30 بالمئة من السعوديين فقط يمتلكون منازلهم هو الدخل المحدود للأسر.. الآن عندما تعمل المرأة تدر دخلا إضافيا للأسرة."

وأرجع الخضير ارتفاع معدل البطالة بين النساء إلى زيادة عدد الخريجات ليصل إلى 500 ألف مقارنة مع 300 ألف خريج من الرجال خلال السنوات العشر الماضية وعدم درايتهن بسبل البحث عن الوظائف.

وتشجع وزارة العمل على دخول المزيد من النساء في سوق العمل رغم الطبيعة المحافظة للمجتمع السعودي وتبنت خططا توفر بيئة عمل للنساء فقط كما في محلات بيع المستلزمات النسائية وأدوات التجميل.

واستغرق الأمر من ابتسام - سعودية في العقد الثالث من العمر ودرست الأدب الانكليزي - عامين كاملين من البحث عن وظيفة حتى التحقت منذ اسبوعين للعمل بقسم الموارد البشرة في إحدى شركات المحاسبة العالمية.

وقالت "كان الأمر صعبا جدا جدا جدا.. يصعب على حديثي التخرج الوصول للشركات في الرياض.. نرى تلك الشركات في كل مكان لكننا نعلم أنها لا توظف سوى الرجال ولا نعرف كيف نرسل لهم السير الذاتية.. لم يمر على التحاقي بالعمل سوى اسبوعين لكن لدي شعور رائع.. ياااه أخيرا."

وتحدثت رويترز مع اثنتين اخريين من الباحثات عن العمل اشارت إحداهن إلى رغبتها بالعمل في مجال لا تختلط فيه بالرجال فيما فضلت الأخرى العمل في أماكن ذات ساعات عمل قليلة كالمدارس وهو ما زاد من صعوبة الحصول على وظائف.

وقال الخضيري "أحد الأسباب الرئيسية وراء ارتفاع معدلات البطالة هو التوقعات والآمال الكبيرة.. الرجال والنساء تربوا على أن يكونوا مديرين (في منازلهم) لمدة عشرين عاما يأمرون الخادمة والسائق وفجأة تخبرهم أنهم سيصبحون موظفين."

تقول حصة وهي سعودية ذات 26 ربيعا وأم لطفلين ظلت تبحث عن عمل طوال عامين حتى حصلت على وظيفة بمجال التدريس "كان الأمر محبطا جدا. كنت أذهب للمقابلات وينتهي الأمر بكلمة سنتصل بك لكن في نهاية الأمر لم يتصل أحد."

وتضيف "هناك الكثير من المشاكل في بيئة العمل بالوظائف المتوافرة على رأسها مواعيد العمل.. اعرف الكثير من النساء وأنا منهم اللاتي رفضن العمل لساعات متأخرة حتى السادسة مساء."