العراق عشر سنوات من الدمار: اعادة انتاج التخلف!

قبل تسع سنوات عدتُ من بغداد بعد زيارة دامت عدة اسابيع وكنت قد غبت عنها اكثر من عقد من السنوات. عدتُ بعد ان ادركتُ ان الحلم الذي ظل يراودني كغيري من عراقيي الشتات بالاستقرار فيها بعد سقوط الدكتاتورية قد اغتيل نهائياً على يد الاحتلال واعوانه وكان اول ما فعلته شراء قبر لي في الوطن الجديد كندا. يومها سألني الزميل فادي هاروني من أسرة القسم العربي في راديو كندا الدولي عما حققه الامريكان بعد دخولهم العراق فقلتً له: لقد اعادوا انتاج التخلف!

ومنذ ايام حاورني الزميل نفسه لمناسبة مرور عشر سنوات على الاحتلال فكررتُ قولي.

لقد حكم الدكتاتور صدام حسين العراق لثلاثة عقود تميزت بالقسوة والحروب واحتكار السلطة، غيب الحياة المدنية وعسكر المجتمع، ولكنه ابقى مؤسسات تدير الدولة ولو بكفاءة الحد الادنى. فماذا قدم الاحتلال؟ وماذا قدمت الحكومات المتعاقبة التي شكلت في ظله وبعد انسحابه؟

ام 2004 شعرتُ وانا في بغداد ان القبيلة قد حلت مكان الدولة في المناطق الحضرية والمدن الكبيرة وهو ما لم اشهده خلال العهود التي عشتها في العراق. كان الفصل العشائري قد احتل جزءاً هاماً من حياة الناس بدلاً من المحاكم والقانون، واصبح الطبيب والمهندس والعالم مضطراً للعودة الى عشيرته لأن الفصل العشائري قد يطال رقبته في أي حادثٍ مهماً كان هامشياً ضمن عمله وحياته اليومية. واسألوا اليوم عن الفصل العشائري وما فعله ويفعله في المدن وهو نموذج فقط من نماذج التخلف التي جاء بها الاحتلال واعوانه.

الطبقة العاملة التي عملتُ معها لسنوات طويلة وجدتُ ان قرارات الحكومة تطالها وان محاولات السيطرة على نقاباتها على غرار "التبعيث" قائمة على قدم وساق لصالح احزاب الاسلام السياسي الرجعية التي اسهمت في تمزيق وحدتها وخسرت هذه الطبقة اغلب ما حققته خلال سنين نضالاتها بعد ان اصبحت الصناعات في قطاعاتها الثلاث العام والخاص والمختلط شبه معطلة. وباعت الدولة ما باعته من مشاريعها لمستثمرين لا هم لهم سوى حصد الارباح فرموا في عرض الشارع الاف العمال بذرائع مختلفة لا تقنع أي مواطن شريف. اما الانتاج العراقي فقد اصبح "في خبر كان" كما يقولون وبات العراق يستورد كل احتياجاته من تركيا وايران بعد ان كانت صناعاته تحتل الصدارة في الاسواق، ناهيك عن الشلل الحاصل في الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية الذي كان في الثمانينات نموذجا للاجهزة الرقابية في دول المنطقة، بل ان وزير النفط اصدر قراراً بعدم شرعية العمل النقابي في منشآت النفط وكأن النقابات التي بدأت نضالاتها في الثلاثينات من القرن الماضي بحاجة الى شرعيته!

المرأة تحولت الى ديكور في اغلب الكتل السياسية والبرلمانية ان لم نقل في جميعها فانت تواجه يومياً نساء في البرلمان لا تاريخ لهن ولا منجز لا في السياسة ولا في الثقافة ولا في المجتمع ولا يحتاج المرء لجهد كبير لإثبات هذه الحقيقة ويكفيه مراجعة اعلانات انتخابات المجالس المحلية القادمة على النت ليكتشف حجم المهزلة.

رجال الدين اصبحوا في كل مكان وفقدت العمامة هيبتها التاريخية فهم يصولون ويجولون في مرافق الدولة من اجل الوساطات والعمولات والفوز بالمناقصات مستغلين مواقعهم في احزاب الاسلام السياسي.

الطائفية مزقت النسيج الاجتماعي العراقي وطفت على السطح شعارات وافعال لا يمكن ان نصفها إلا بالتخلف والرجعية من الطوائف الاسلامية مجتمعةً، وقد لعب الاحتلال دوراً في عمليات التصفيات الطائفية. وكشف الفلم الوثائقي الذي انتجته قناة بي بي سي بالتعاون مع جريدة الغارديان وبث قبل فترة وجيزة عن اسرار مذهلة في هذا المجال وعن فرق الموت ودور الاحتلال في ادارتها. ويمكن ان نلمس اليوم اثار سنوات العنف الطائفي في احاديث المسؤولين انفسهم فقبل ايام قال السيد اركان ثامر صالح مدير قسم الشؤون الانسانية في وزارة حقوق الانسان الذي يعمل على تتبع آثار المفقودين خلال تلك السنوات (2007-2008) ان في العراق 16 الف مفقود. وطبعا هذا الرقم يشمل المفقودين الذين بلغ ذويهم السلطات فقط.

الحياة السياسية هيمنت عليها احزاب الاسلام السياسي ولم تعد ترى أي دور للمستقلين في اي مجال في الحياة اليومية، بل ان المستقلين من ذوي الكفاءات اصبحوا مستهدفين وحكاية الخبير الاقتصادي سنان الشبيبي مازلت ماثلة للعيان. حصدت هذه الاحزاب كل المواقع الاساسية في الدولة، وهمشت القوى اليسارية والديمقراطية بتصعيدها الطائفي المستمر الذي يعيد الاستقطاب في المجتمع ويخدم سياساتها، واصبح الولاء للحزب وللطائفة هو الاساس وليس الكفاءة.

الاقليات همشت وتآكلت نتيجة الارهاب و التهجير والتقارير التي نشرت وتنشر عن هجرة المسيحيين والصابئة سكان البلد الاصليين تثير الذهول.

ماذا ترك الاميركان للعراق؟ المحاصصة الطائفية التي اوصلت الى المواقع القيادية سياسيي التخندق الطائفي المقيت وجلبت الى مواقع المسؤولية اميين وجهلة بدلاً من الكفاءات والخبرات. الثروة النفطية نهبت بمشاريع مزيفة وفاشلة وعقود مع شركات وهمية نسمع عنها بين الحين والآخر. ومازالت المحافظات التي تقبع على بحيرات النفط وعلى رأسها محافظة العمارة تغرق بالفقر والبؤس حتى ان صناعة الطابوق البدائية التي منعها النظام السابق والتي تدمر البيئة عادت الى المحافظة بكثافة وعادت معها عبودية العمال في هذه الصناعات المتخلفة التي تجلب لهم الموت البطيء.

الفساد ضرب اطنابه في كل مرافق الحياة واصبح هو النفق الذي يدخل منه الارهاب التكفيري فيفتك بالفقراء من ابناء الشعب (لاحظوا ان التفجيرات تتركز عموماً في مناطق الفقر والكثافة السكانية). ومافيات القاعدة والميليشيات تصدر الموت للشارع العراقي باساليب مختلفة تتراوح بين الكواتم واللاصقات.

الازمات تتوالد وتتوالد ولا من علاج حقيقي، والحزب "القائد" الجديد (الدعوة) يؤسس لدكتاتورية جديدة اصبح العراقيون يلمسونها في ممارسات "مختار العصر"! وهو الاسم الذي يلقب انصار المالكي زعيمهم به!

يطول الحديث عن هموم العراقيين و يطول وافضل ما نختم به تقرير بثته وكالة رويترز بمناسبة مرور عشر سنوات على الاحتلال شارك في اعداده ثلاثون اكاديمياً وخبيراً وهو تحديث لتقرير كان قد اصدره معهد واطسن عام 2011. عنوان تقرير رويترز هو "حرب اميركا في العراق: صفر من الانجازات وخسائر لا تحصى" ومن التقرير نستخلص:

• ان الحرب اسفرت عن مقتل 134 الف مدني عراقي على الاقل واسهمت في قتل اربعة امثال هذا العدد.

• ان جهود اعادة الاعمار كلفت 212 مليار دولار فشلت بسبب انفاق معظم هذا المبلغ على الامن أو بسبب الاحتيال والهدر.

قبل ايام سألت زميلا صحفيا من كتاب الاعمدة في الصحافة العراقية اليس هناك اي ضوء في نهاية النفق؟

فقال لي يائسا : واذا قلت لك انني لا ارى حتى نفقا يدخل منه الضوء ما رأيك؟

هذا القول ينطبق مع ما قالته جريدة نيويورك تايمز تحت عنوان "الامل بعراق جديد تلاشى بعد عقد من الغزو."