اتفاقية الوصاية الأردنية على المقدسات وعلاقتها بالمفاوضات والتسوية

مقالات قليلة لكتاب وتصريحات أقل لسياسيين كان نصيب الاتفاقية التي تم توقيعها يوم 31 آذار/مارس الماضي بين الرئيس أبو مازن بصفاته الثلاثة – رئيس دولة فلسطين ورئيس منظمة التحرير ورئيس السلطة الوطنية – والعاهل الأردني صاحب الوصاية وخادم الأماكن المقدسة في القدس، والتي حملت أسم الاتفاقية الفلسطينية الأردنية للدفاع عن القدس والمقدسات. ربما يعود عدم الاهتمام بالاتفاقية إلى أنها وقعت وسط أحداث وانشغالات كبرى فلسطينية وعربية، وقد يعود سبب عدم الاهتمام بالاتفاقية من منطلق النظر إليها باعتبارها تجديد لاتفاقيات سابقة حول الموضوع، وهذا ما حاولت أن توحي إليه مقدمة الاتفاقية وما حاولت توصيله وسائل الإعلام الرسمية الأردنية والفلسطينية.

لا شك أن المكانة الدينية للقدس وخصوصا الأماكن المقدسة فيها المشار إليها تحديدا في الاتفاقية "المسجد الأقصى المبارك الواقع على مساحة 144 دونما، والذي يضم الجامع القبلي ومسجد قبة الصخرة، وجميع مساجده ومبانيه وجدرانه وساحاته وتوابعه فوق الأرض وتحتها والأوقاف الموقوفة عليه أو على زواره (ويشار إليه بـ 'الحرم القدسي الشريف')" لا تخص من ناحية دينية الفلسطينيين وحدهم بل لها مكانة دينية لحوالي مليار ونصف مسلم. وعليه أن تقول الاتفاقية بأن حماية الأماكن المقدسة تقع على عاتق المسلمين فهذا كلام لا غبار عليه نظريا لأن القدس ليست مقدسة بالنسبة للفلسطينيين فقط والمسؤولية عن حمايتها من الخطر اليهودي تقع على عاتق جميع المسلمين وهي مسؤولية تصل لحد إعلان الجهاد لتحريرها، ولكن للأسف قاتلت وجاهدت دول وجماعات (إسلامية) في كل مكان في العالم من أفغانستان وباكستان إلى العراق وسوريا وحتى في قلب عواصم أوروبية وداخل الولايات المتحدة نفسها ولم نرَ أو نسمع أنهم جاهدوا من اجل القدس وفلسطين. الفلسطينيون وحدهم من جاهد وقاتل من أجل القدس ومقدساتها وما زالوا يواجهون الاحتلال.

على كل حال ليس هذا موضوعنا، ما نود الحديث عنه هو في معنى الوصاية وشرعيتها وفي توقيت توقيع الاتفاقية وفي دلالاتها وتداعياتها السياسية.

1- في شرعية الوصاية ومعناها

فقد جاء في الفقرة د من مقدمة الاتفاقية: "بناء على دور الملك الشريف الحسين بن علي في حماية ورعاية الأماكن المقدسة في القدس وإعمارها منذ عام 1924، واستمرار هذا الدور بشكل متصل في ملك المملكة الأردنية الهاشمية من سلالة الشريف الحسين بن علي حتى اليوم". فإذا كانت الوصاية الأردنية على الأماكن المقدسة مستمرة منذ 1924 حتى اليوم – مع أن الملك حسين بن علي لم يكن ملكا على الأردن بل كان واليا على الحجاز مُنصبا من طرف العثمانيين ثم فقد منصبه بعد الحرب العالمية الأولى – فلماذا الآن يتم توقيع الاتفاقية؟ أيضا فإذا كان الأردن وصيا على الأماكن المقدسة فهل نجح في حماية ما يقع تحت وصايته؟ ألم يتم احتلال القدس الشرقية وهي واقعة تحت سيادة الأردن؟ وماذا فعلت الأردن طوال العقود الماضية لوقف الاستيطان والتهويد في القدس وتدنيس الأماكن المقدسة؟ ماذا فعلت لمنع الحفريات تحت المسجد الأقصى ومنع المسلمين من الصلاة فيه؟ ماذا فعلت الأردن لمنع تقسيم الحرم الإبراهيمي في الخليل؟ الخ.

لسنا في وارد التشكيك بالدور الأردني لأن حال الأردن كحال كل الدول العربية والإسلامية من حيث العجز عن حماية المقدسات، ولكن من حقنا التساؤل، إن كان الأردن عجز طوال العقود الماضية عن حماية الأماكن المقدسة فكيف ولماذا تُجدد له الوصاية من خلال اتفاقية رسمية من طرف الرئيس أبو مازن رئيس دولة فلسطين ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية؟ ولماذا لم نسمع يوما عن تجديد لعهد أو اتفاقية الوصاية بين الأردن والفلسطينيين لا في عهد أحمد الشقيري أو ياسر عرفات أو محمود عباس؟ قد يقول قائل إن سبب توقيع الاتفاقية يعود للمكانة الجديدة لفلسطين في الأمم المتحدة كدولة غير عضو، حيث على الأردن تأكيد وصايته من خلال اعتراف من يمثل الدولة الفلسطينية، وهذه في رأيي محاجة مردود عليها حيث يُفترض أن الاعتراف بفلسطين دولة غير عضو يدفع نحو الدخول بمواجهة مع إسرائيل لممارسة السيادة على القدس وكل الضفة والقطاع وليس إخضاع أهم جزء من القدس للوصاية.هذا بالإضافة إلى أن منح الوصاية لطرف خارجي مثله مثل تأجير الأراضي لدولة أجنبية تعتبر من أعمال السيادة لا تصبح نافذة إلا بموافقة الشعب من خلال البرلمان، وفي الحالة الفلسطينية يجب إجازة الاتفاقية من طرف المجلس التشريعي أو من طرف المجلس الوطني الفلسطيني.

2- في دلالتها السياسية

الوصاية مُنِحت للشريف حسين عام 1924 من طرف البريطانيين كنوع من الترضية بعد أن فقد كل شيء وحين لم تكن جهة وطنية فلسطينية تمثل الشعب الفلسطيني وتدافع عن مقدساته وأرضه في المحافل الدولية، أما اليوم فهناك من يمثل الشعب الفلسطيني، فهل تسير الأمور للوراء أم يفترض أن نتقدم للأمام نحو التحرر من الوصاية والاحتلال معا وخصوصا بعد قبول فلسطين دولة غير عضو في الأمم المتحدة. هناك وجه آخر يمكن استنتاجه من المعاهدة بطريقة غير مباشرة، فعندما يتم وضع الأماكن المقدسة في القدس تحت الوصاية الأردنية بموافقة فلسطينية وإسرائيلية – إسرائيل تُقر للأردن بهذه الوصاية والوصاية من وجهة نظر إسرائيلية لا تمس سيادة إسرائيل على كل القدس باعتبارها عاصمة لدولة إسرائيل - فإن شعار الجهاد من اجل القدس والمقدسات سيفقد قيمته ومعناه لان الأماكن المقدسة التي بارك الله حولها باتت تحت وصاية دولة مسلمة باعتراف الفلسطينيين أنفسهم.

3- الاتفاقية كمدخل للعودة للمفاوضات

التساؤلات السابقة تدفعنا لاستحضار تساؤلات سياسية بعيدا عن التفسيرات المعلنة ذات الطبيعة الدينية كحماية الأماكن المقدسة وغيرها. صرح البعض بأن السبب وراء توقيع الاتفاقية يعود لتخوفات من أن تتدخل قطر وتفرض وصايتها على الأماكن المقدسة بمباركة الإخوان المسلمين وحركة حماس وواشنطن وإسرائيل، ومع أن هذا التفسير يستحق التوقف عنده لان دولة مثل قطر يمكنها أن تقوم بذلك لخدمة أجندة أمريكية وإسرائيلية إلا أنه ليس السبب وراء عقد الاتفاقية.كما ربط البعض بين التوقيع على الاتفاقية والحديث عن الكونفدرالية بين فلسطين والأردن وان الاتفاقية خطوة نحو الكونفدرالية. إلا أننا نعتقد أن توقيع الاتفاقية في هذا الوقت غير منقطع الصلة بما يروج من حديث عن إمكانية عودة المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وحيث أن قضية القدس من أهم العقبات أمام نجاح المفاوضات والتسوية، فالاتفاقية تزيل عقبة أمام المفاوضات من خلال إسناد أمر الأماكن المقدسة وكما جاء في الفقرة د من المادة الأولى للعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني الذي سيقوم بـ "متابعة مصالح الأماكن المقدسة وقضاياها في المحافل الدولية ولدى المنظمات الدولية". وهو الأمر الذي سيمنح الأردن دورا أساسيا في المفاوضات القادمة.

إخراج الأماكن المقدسة في القدس من تحت إشراف الفلسطينيين ومنظمة التحرير والرئيس أبو مازن قد يسهل على الرئيس التعامل مع قضية القدس دون أن يثير على نفسه تحفظات وانتقادات ذات طبيعة دينية، ما دامت الأردن هي الوصية على هذه الأماكن وهي التي ستتفاوض بشأنها. أيضا ربط توقيع الاتفاقية بالعودة للمفاوضات غير منقطع الصلة بزيارة الرئيس الأمريكي أوباما ووزير خارجيته كيري للمنطقة، وهي غير منقطعة الصلة عن الحديث الذي يدور حول طلب أمريكي من العرب بإعادة فتح مبادرة السلام العربية. وفي ظني أن هدف واشنطن من ذلك إعادة النظر بقضية اللاجئين كثاني أهم العقبات أمام استئناف المفاوضات والتسوية السياسية.

إذا ما ربطنا توقيع الاتفاقية مع زيارة أوباما للمنطقة والجولات المكوكية التي قد يقوم بها كيري للمنطقة، مع صمت حركة حماس والتزامها باتفاقية الهدنة مع إسرائيل بالرغم من خرق الأخيرة للاتفاقية عدة مرات، مع التزام مصر الإخوانية بمعاهدة كامب ديفيد وبالتالي اعترافها بإسرائيل، مع مصالحة تركيا وإسرائيل، واحتمال سقوط نظام بشار الأسد، فإن كل ذلك يشير إلى إمكانية العودة للمفاوضات في ظل مناخ فلسطيني وعربي وإقليمي موات، والعودة للمفاوضات لا يعني أن الحل العادل للقضية الفلسطينية بات ممكنا بل نقصد العودة للمفاوضات ضمن الإستراتيجية الأمريكية لإدارة أزمة المفاوضات وتهدئة الأوضاع على جبهة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي حتى تتفرغ واشنطن لقضايا إستراتيجية أكثر أهمية من وجهة نظرها.