بيت آمن من دون ستائر

بيت رقمي بملايين النوافذ والاتجاهات

يبدو أننا سنجد معادلا تعريفيا لما قاله منظر جماليات المكان غاستون باشلار عن البيت "هو المكان الذي يجب أن يقبلنا عندما نذهب إليــه"، تأمل كلمة يجب هنا!

فالعالم برمته أصبح بيتا رقميا شاسعا يقبل كل من يدخله من دون وجل أو تردد أو تمييز، البيت الرقمي آمن وإن كان من دون ستائر، فكل الذين يمرون من أمامه يرون ما يودون أن يرون، وبإمكانهم أيضا أن يبحثوا في أروقته وغرفه الافتراضية من دون أن يصدهم أحد.

ان بيانات المستخدم على "فيسبوك" مثلا لا تدعو للقلق وهي توضع في عالم جديد مفتوح، وفق تعبير ستيفن بول من صحيفة "الغارديان"، الذي ينصح بعدم إلغاء الاشتراك في هذا البيت الذي يضم مليار شخص مرتبطين مع بعضهم البعض بطريقة ما.

هذا البيت الذي لا يحتوي على ستائر وبإمكان من في داخله أن يرى عبر نوافذه ويتعرف على المارين أمامه والتواقين للدخول كأعضاء في أسرته، كما بإمكان المارين توثيق الآصرة مع سكنة البيت السابقين له ببساطة، هو بتعبير جديد "اعلام رقمي" يعيد صناعة العالم من أجل تغييره، والعلاقة بين الناس.

لم يعد الاعلام مقتصراَ على رجاله السابقين ولا حتى أحفادهم، هناك جيل الويكيبيديا حسب تعبير "بيان الانترنت" بوصف من يصنع الحدث وينقله، فالشخصي أصبح عاما وبإمكان الآخرين الاطلاع عليه، كذلك الحال مع من ينشر خبر تخرجه المصور من الجامعة، إنه لا يفكر بالمتلقي بقدر ما يفكر بنفسه وبالعدد القليل من المقربين اليه، لكنه صنع خبراَ انتشر داخل أروقة البيت الشاسع والمتقاربة غرفه في آن واحد!

خذ مثلا اجتهاد المرأة البرتغالية على "فيسبوك" وهي تلتقط من مقر إقامتها في لندن مجموعة من الصور لأحداث الشارع اليومي، ثمة من ينتظر الباص مع كلبه، وهناك جمع من المحدقين بإعلانات تعرض فرص عمل او غرف للايجار، فيما يمضي الآخرون في قضاء عطلة نهاية أسبوع بالتنزه، جمعت هذه السيدة الصور الثلاث بهاتفها المحمول وكتبت تحتها تعليقا مقتضبا وحملتها بعد ثوان من التقاطها على صفحتها في "فيسبوك"، انها صنعت قصة إخبارية وفوتوغرافية في آن واحد من دون ان تقصد ذلك.

مثل هذه السيدة ثمة مليار مستخدم يصنعون الخبر اليوم بطريقتهم الخاصة في اعلام جديد لا يرتدي قفازات، أو يخشى حارس بوابة أو رقيبا، أو لجنة حياد أو تحديد الصلاحية.

فهل يبقى الاعلام يترقب هذا المشهد الهائل الذي يديره "المواطن الصحفي"، فيما هو يصنع خطابه أو يريد صناعة رأي عام ويقدم بضاعته في السوق ويطلب مقابلها ثمنا؟

من يشتري اعلامنا اليوم فيما ثمة من يخترق المساحة الشاسعة ويقدم كل شيء: الخبر والمعلومة والصورة والفيلم بلا مقابل؟

سنعول على "المحتوى المتميز" كي يكون للإعلام اليوم مكانه بين جيل الويكيبيديا.

للتواصل مع كرم نعمة

Karam@alarab.co.uk