جمعية الأحباش: أشعرية ضد السلفية والإخوان معاً

ادعت ليست صاحبة مذهب جديد

على الرغم من أن هذه الجماعة لا وجود لها في سوريا إلا أن العلاقة المميزة، وانطلاقتهم في معقلهم الرئيسي في لبنان، تشير إلى رعايةٍ وتحالف وثيق مع النظام السوري، فمنذ العام 1983 تاريخ إعلان الجمعية الرسمي أعلنوا تبنيهم منهجاً فكرياً يختصره مرشدهم العام عبد الله الهرري بأنهم لا يتبعون فكرة مستحدثة ولا منهجاً جديداً كحالة من يتبعون سيد قطب أو النبهاني أو محمد بن عبد الوهاب أو ابن تيمية.

إنما "نحن أشعرية شافعية، أشعرية وماتريدية من حيث العقيدة وهي عقيدة مئات الملايين من المسلمين، ومن حيث الأحكام العملية نحن شافعية. ولا نستحل اغتيال رجال الحكومات لأجل أنهم يحكمون بالقانون. نحن بريئون من هذه الفئة. أما مسألة بيان المكفرات في الألفاظ الكفرية فنحن لا نحمل مذهباً جديداً إنما اتبعنا في ذلك أئمة من المذاهب الأربعة". كذلك يتبع الأحباش الطريقة الرفاعية التي هي طريقة شيخهم ولهم كتب ومؤلفات دفاعاً عن الصوفية وخاصةً في المسائل التي ينكرها الوهابيون كزيارة القبور والاحتفال بالمولد النبوي والضرب على الدف إلى آخره.

أسست الجمعية خطابها منذ البداية على خصام وتضاد مع السلفية الوهابية وأطروحة الإخوان المسلمين؛ بل إنهم كانوا ينفرون من السياسة بدايةً. وتميز سجالهم بالشدة وهو ما أدى إلى تكفير وتكفير مضاد وخاصةً بينهم وبين السلفيين، كان أحد نتائجه اغتيال أحد كبار رموزهم في لبنان وهو الشيخ نزار الحلبي العام 1995.

شكل هذا الاغتيال ضربة قوية للأحباش في لبنان، ورغم كشف الجناة والإعدام السريع لبعضهم، إلا أنه جاء ليكبح نفوذا متناميا لهذه الجماعة في ظل رعاية أمنية سورية تشرف على أدق تفاصيل الملف اللبناني بعد اتفاق الطائف، فقد رشح الأحباش أحد أعضائهم إلى مجلس النواب اللبناني في العاصمة اللبنانية بيروت وحقق فوزاً مفاجئاً العام 1992، لكنه بعد هذه الحادثة فشل في الحفاظ على مقعده.

على مدى عقدين من الزمن بقي لافتاً ذلك الارتباط الوثيق بين الأحباش والنظام السوري؛ وكان لافتاً الدعم الكبير والخدمات والتغطيات التي قدمت لهم في مرحلة ما بعد الطائف. في المقابل لم يفوّت الأحباش مناسبة وطنية أو قومية إلا وأقاموا لها الاحتفالات الضخمة محاطين بتمثيل رسمي، وتغطية إعلامية مرفقة بشعارات عن عمق العلاقة بين لبنان وسوريا. استفاد الأحباش من هذه الرعاية المتميزة فتضخم نفوذهم وتوسعت سيطرتهم وامتدت إلى المساجد التي هيمنوا على بعضها خلافاً لرأي دار الفتوى والأوقاف، وقد تم ذلك أحياناً بعد عراك ومشاجرات كما حصل في مسجد الجامعة العربية (الحوري) في العام 1994 ومسجد المصيطبة وغيرها من المساجد في الكثير من المناطق اللبنانية.

لا شك أن جمعية المشاريع استطاعت خلال فترة وجيزة أن تكوّن قاعدة شعبية هامة في المدن الأساسية؛ وخصوصاً في العاصمة بيروت وطرابلس، في ظل الوجود السوري في لبنان وهي اكتسبت صفة العالمية لأن وجودها يمتد ليشمل أكثر من أربعين دولة في القارات الخمس، حسب مصادرهم الإعلامية. وترافق مع توسع الجمعية إنشاء مؤسسات ومراكز ونوادٍ وشبكة مدارس بلغ عددها خمسة مدارس ثلاثة منها في طرابلس وواحدة في بعلبك وفرق إنشاد دينية ضخمة، كان لها الدور الفعال في ترسيخ وجودها الانتخابي والسياسي في بعض المناطق. إلا إن اغتيال الشيخ نزار الحلبي ترك آثاراً سلبية على الجمعية فيما بعد، ظهرت في انحسار دورها السياسي والشعبي واقتصاره على إقامة الاحتفالات الوطنية والقومية والدينية المؤيدة لسوريا( )، وعدم نجاحها في بلورة فكر وبرنامج سياسي متكامل يمكن تتبعه في أدبياتهم المعلنة.

تضررت الجمعية كثيراً بعد جريمة اغتيال الحريري وخروج السوريين من لبنان، واتهام بعض أعضاء الجمعية في المشاركة بعملية الاغتيال، فقد شرح تقرير لجنة التحقيق الدولية الدور المشبوه لأحد أعضائها (أحمد عبد العال) وسلسلة الاتصالات الهاتفية قبل الانفجار بدقائق معدودة وبعده( )، وقد أدى ذلك إلى انكفاء سياسي كبير للجمعية التي بقيت على مواقفها السياسية وضمن إطار تحالف 8 آذار، لكن دون أن تقوم بتفعيل مواقفها في البيئة السنية التي أصبحت معادية لتوجهاتها، بل أصبحت محط تشكيك وشكوك، لذلك اكتفت بدور اجتماعي وتنظيمي وتربوي بعيداً عن السياسة.