العالم يودع المرأة التي غيرت وجه بريطانيا

'انا مع الاجماع. الاجماع حول ما اريده'

لندن - سيبقى لقب "المرأة الحديدية" الذي اطلقه عليها السوفيات ابان الحرب الباردة خالدا في التاريخ بعد وفاة رئيسة وزراء بريطانيا السابقة المحافظة مارغريت تاتشر الاثنين عن 87 عاما، وهو لقب لطالما اعتزت به.

عرفت تاتشر بانها محافظة متشددة وليبرالية الى ابعد حدود ومناهضة شرسة للاشتراكية-الشيوعية ومن كبار المشككين بالمشروع الاوروبي ومعارضة للحركة النسائية ومثيرة جدا للجدل، لكنها تبقى بشكل خاص من عظماء القرن العشرين لم تقبل مطلقا بانصاف الحلول.

وقال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون إن بلاده فقدت "قائدة عظيمة" بوفاة مارغريت ثاتشر .

وكتب كاميرون على صفحته في موقع "تويتر": "بحزن شديد تلقيت نبأ وفاة السيدة ثاتشر .. لقد فقدنا قائدة عظيمة ورئيسة وزراء عظيمة وبريطانية عظيمة".

أعلن مكتب كاميرون أنه قطع زيارته لأسبانيا وفرنسا بعد علمه بوفاة ثاتشر.

وقال القصر الملكي في بيان له إن الملكة حزينة جدا لوفاة البارونة مارغريت ثاتشر، مضيفا أن "جلالتها ستوجه رسالة لعائلة الفقيدة".

ويؤكد بعض المراقبين أن ثاتشر ستبقى "المراة الحديدية" التي غيرت وجه المملكة المتحدة باعتمادها ليبرالية اقتصادية لا هوادة فيها واعادت الهيبة الدولية للبلاد.

وكانت نظرتها الفولاذية الثاقبة بعينيها الزرقاوين رمزا لقوة شخصية لا تضعف.

ولم يعبر احد عن شخصيتها تلك كما عبرت عنها هي نفسها، حين قالت عبارتها الشهيرة "انا مع الاجماع.. الاجماع حول ما اريده".

وأعرب رئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروسو عن بالغ الأسى لرحيل رئيسة الوزراء البريطانية السابقة، ووصفها بأنها "سيدة دولة عظيمة"، مشيرا إلى أنها كانت لاعبا "حذرا ولكنه مقدام" في الاتحاد الأوروبي.

وقال إن التاريخ سيظل "يذكر إسهاماتها وجهودها في مشروعنا المشترك"، مشيرا إلى جهودها في "لم شمل دول وسط وشرق أوروبا إلى العائلة الأوروبية".

وصف بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي رئيسة الوزراء البريطانية السابقة بأنها كانت "امرأة عظيمة".

وقال نتانياهو على حسابه في شبكة التواصل الاجتماعي فيس بوك إن ثاتشر كانت أيضا "قائدة عظيمة" ألهمت جيلا كاملا من الساسة.

وأضاف أن ثاتشر جسدت الإخلاص للمبادئ والعزيمة والقوة كما أنها كانت "صديقة يعتمد عليها بالنسبة لدولة إسرائيل وللشعب اليهودي".

ولم تتخل ثاتشر طوال 11 عاما من حكمها عن رفضها الشديد للتسويات خدمة لمبادئ تؤمن بها بعمق وهي السياسة الاجتماعية المحافظة والليبرالية الاقتصادية وفكرة عظمة بلادها.

وكانت تاتشر بطلة "ثورة" غيرت وجه بريطانيا لكنها قسمتها بعمق ايضا بين 1979 و1990، وكانت تقول "انني مع التوافق، خصوصا بشروطي".

وكانت اول سيدة تتولى رئاسة الوزراء لمدة قياسية في القرن العشرين بحيث حكمت "ماغي" لثلاث ولايات تأرجحت خلالها شعبيتها بين القمة والحضيض.

وقالت رئيسة الوزراء السابقة في مذكراتها في مديح لنفسها "اعتقد ان التاريخ سيسجل صفة \'التاتشرية\'".

وولد تعبير جديد استخلص من سياستها هو "التاتشرية" التي خصخصت كل شيء وخفضت الضرائب والنفقات العامة لإنعاش اقتصاد بريطانيا "البلد المريض في اوروبا" أنذاك.

وقامت بخصخصة قطاعات كاملة من الاقتصاد وبتفكيك الاقل مردودية منها (الصناعة الثقيلة والمناجم) كما ازالت الاطار التنظيمي للخدمات المالية في ظل ارتياح كبير في اوساط الاعمال. واعادت اطلاق النمو وتصدت لدولة العناية والعجز العام.

لكن خصومها يرون ان السياسات التي انتهجتها لبلادها التي كانت "الرجل المريض في اوروبا" في اواخر سبعينات القرن العشرين كان لها انعكاسات ثانوية مدمرة مثل تعميق التفاوت الاجتماعي وارتفاع البطالة التي تجاوزت الثلاثة الملايين شخص واضطرابات متكررة في بريكستون وليفربول اضافة الى اهمال الخدمات العامة.

ولدت تاتشر في 13 تشرين الاول/اكتوبر 1925 في غرانثام في عمق انكلترا، من والد بقال لكنه كان مبشرا للكنيسة الانجيلية الميتودية. الا انها سرعان ما انضمت الى القيم الفيكتورية (المحافظة) في العمل والنجاح الفردي قبل ان تبدأ دراسة الكيمياء في اوكسفورد ثم المحاماة.

ومن زواجها برجل الاعمال دنيس تاتشر رفيق حياتها انجبت توأمين: مارك رجل الاعمال المثير للجدل والذي ورد اسمه في محاولة انقلاب في غينيا الاستوائية، وكارول التي اختارت مهنة الصحافة التي لم تكن مجالا مستحبا لدى والدتها.

وانتخبت تاتشر نائبة حين كانت في الرابعة والثلاثين من عمرها ثم تولت رئاسة حزب المحافظين في 1975 ورئاسة الحكومة بعد اربع سنوات من ذلك.

وفي خلال هذه المسيرة تغلبت تاتشر على عقبة مزدوجة، كونها امرأة متحدرة من وسط متواضع في حزب ذكوري اريستوقراطي الى حد كبير.

وقد نجحت تاتشر في فرض نهجها وكلمتها بصوت ناعم كمعلمة مدرسة ونظرة حادة وهي تركز عينيها الزرقاوين في عيني محادثها.

ومما قالته "ان سيدة تعرف كيف تدير منزلا ستعرف كيف تدير البلاد".

و"السيدة ليست من طبيعتها العودة الى الوراء"، وهو شعار تردد لوضع حد لاضراب لعمال المناجم استمر سنة واضراب عن الطعام قضى خلاله عشرة سجناء من الجيش الجمهوري الايرلندي بينهم بوبي ساندز الذي كان نائبا في مجلس العموم البريطاني واصبح رمزا.

وكانت تكرر دون كلل لمعارضيها من وزراء او "بيروقراطيين في بروكسل" "ليس هناك من بديل".

اما بالنسبة للنقابات فكانت تصفها بـ"اعداء الداخل" الذين يتوجب اسكاتهم. ومن "اعداء الخارج" ليوبولد غالتييري الرئيس الارجنتيني الذي اخرج بالقوة من جزر فوكلاند (مالوين) الخاضعة للسيادة البريطانية في المحيط الاطلسي والتي تطالب بها الارجنتين.

وتحولت ثاتشر إلى رمز مكروه من عمال المناجم في ثمانينيات القرن الماضي بعد اصطدامها مع النقابات العمالية ورفضها تحقيق مطالبها.

وفي عهدها فاق عدد العاطلين عن العمل بريطانيا ثلاثة ملايين شخص.

ووصف عمال مناجم في بريطانيا وفاة ثاتشر بأنه "يوم عظيم"، وقال ديفيد هوبر أمين عام اتحاد عمال المناجم بمدينة درهام "يبدو اليوم من أسعد أيام أعياد ميلادي".

والمح عمال المناجم انهم قد ينظمون مظاهرة بالتزامن مع جنازتها.

وأضاف هوبر "لقد كانت بلا شك تكره العمال، ولدي ذكريات مريرة للغاية لما فعلته (...) لقد قامت بتأليب الدولة كلها علينا، وكان العنف الذي تعرضنا له رهيبا".

وكان اقرب اصدقائها الرئيس الاميركي رونالد ريغان الذي رفعت معه "العلاقة المميزة" عبر الاطلسي الى اعلى قممها. كان "الرجل الثاني في حياتها" بعد دنيس تاتشر على قول كاتبي سيرتها.

وباعترافها بان الرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشيوف "رجل يمكن التعامل معه" تندرج في عداد الذين انهوا الحرب الباردة.

لكنها وصفت نلسون مانديلا بـ"الارهابي" فيما كان الديكتاتور التشيلي اوغستو بينوشيه يلقى الاستحسان في نظرها لأنه تبنى نظرياتها الاقتصادية وقضيتها في فوكلاند.

لكنها وجدت اصعب العلاقات مع اوروبا التي "حملت كل المشكلات" برأيها. وقد شكلت مادة دسمة لرسامي الكاريكاتور بتسريحة شعرها وحقيبة يدها التي لم تكن تفارقها، بمطالبتها خلال اشهر بتخفيض المساهمة البريطانية في الميزانية الاوروبية "اريد استعادة مالي".

وكتبت بغضب على هامش تقرير لوزير الصيد البحري في حكومتها نزعت عنه مؤخرا صفة السرية "لا","لا" و"لا" "انها اسماكنا".

وقال عنها الرئيس الفرنسي الراحل فرنسوا ميتران الذي كان متأرجحا بين الاعجاب بها تارة والغضب منها تارة اخرى "انها تملك عيني كاليغولا (الامبراطور الروماني المعروف باستبداده) وفم ماريلين مونرو". فيما قال المستشار الالماني السابق هلموت كول "كانت على الدوام تسبب لي الصداع".

وفي 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1990، واجهت انقلابا من قبل وزرائها الذين كانوا على خلاف معها بشأن ضريبة على الفرد اعتبروها جائرة. وعندما تركت المسرح السياسي استخدمت تاتشر صيغة الجمع لتقول بعين دامعة "اننا سعداء لترك المملكة المتحدة في وضع افضل بكثير مما كانت عليه".

وفي السنة التالية لم توفر فرصة لتكيل الانتقادات الى خلفها جون ميجور "الرجل الضبابي" الوجل الذي اخفق في الانتخابات امام العمالي توني بلير في 1997.

ويبدو أن الطبع العنيد ارتد على ثاتشر، حيث دق رفض ضريبة محلية "بول تاكس" ناقوس نهايتها السياسية، وازاء الاحتجاجات عليها حتى من داخل حزبها قدمت استقالتها بعيون دامعة في تشرين الثاني/نوفمبر 1990.

وانزوت البارونة اثر ذلك في حي "بلغرافيا" بلندن لكتابة مذكراتها وانسحبت نهائيا من الحياة السياسية في 2002 لدواع صحية.

وقد دشنت في 2007 تمثالا لها في البرلمان بهذه الكلمات "كنت افضل الفولاذ لكن البرونز لا بأس به.. انه لا يصدأ".

وبقيت منذ ذلك التاريخ منزوية ولم تشارك في الاحتفال الذي اقامه ديفيد كاميرون في عيد ميلادها الـ85 في 2010 ولا في يوبيل الملكة في 2012 او الالعاب الاولمبية بلندن.

واودعت المستشفى اثناء احتفالات نهاية العام 2012 حيث خضعت لعملية لازالة ورم في المثانة.

وفي الواقع كان جميع من خلفها وبينهم رئيس الوزراء الحالي المحافظ ديفيد كاميرون، يقيمون قياسا الى سياسة تاتشر.

وبعد عشرين عاما على تقاعدها ما زالت "السيدة الحديدية" تثير الانفعالات. ولعل ذلك ما حدا بداونينغ ستريت الى ان يعلن في نهاية المطاف انه لن تقام لها جنازة وطنية.