الإخوان المسلمون في فكر حسن الدقي(4)

الأستقواء بالدين وتلبس دور الضحية

في مواصلة لتفكيك بحث "زالزال الثورة العربية والمشروع الإسلامي" الذي كتبه المطلوب لدى السلطات العدلية في الإمارات حسن الدقي، منتشياً ببدايات "الجحيم العربي"، نبدأ بالفقرة التي كتب فيها: ويهدف هذا البحث أيضاً إلى الاطمئنان الأولي، واختبار مسار وفرضيات بحث المشروع الإسلامي "إشارة إلى كتاب ملامح المشروع الإسلامي للمؤلف، والذي خرج للنور العام 2004)، وذلك من خلال الوقوف على الثورات العربية وعلاقتها بمسطرة المشروع، ففي هذه الثورات ومعطياتها علاقة متينة ومترابطة بحلقات المشروع، بل أنها قد أثبتت من خلال عدة محاور، والحمد لله - دقة ما ذهب إليه المشروع من تركيز على معادلة الاستضعاف ونظريات التغيير وتقويم الواقع السياسي في الأمم والنظام العالمي، وخاصة دور النظم السياسية والبلاء الذي عمّ في الأمة بسببها".

إذا بدأ هدف البحث يتضح بطريقة مباشرة، فالاطمئنان الأولي يعني أن هناك خللاً ما في إيمان التنظيم الإخواني بمشروعه الذي أصبغ عليه لقب "الإسلامي" رغم أنه لا يحمل من الإسلام غير شعارات مفرغة المحتوى، فالاطمئنان الأولي دليل على الخوف والتردد، لأن من يخطط للشيء تخطيطاً علمياً مدروساً، لا يحتاج لمخاوف الاطمئنان الأولي الذي يعني عدم الاطمئنان الكامل، والسبب في ذلك يرجع لخوف الإخوان من أن تنكشف حقيقة الشعارات الفضفاضة البرّاقة التي أطلقوا على مجموعها مسمى "المشروع الإسلامي"، وهي في الحقيقة لا تحمل أية صفة من صفات كلمة مشروع.

فمجموع الشعارات التي حملت اسم المشروع لم يتم تفسير تفصيلاتها، ولا كيفية تحقيقها، فالإسلام هو الحل هو الشعار الأبرز للتنظيم الإخواني، ولكن الإخوان لم يحددوا كيف يتم تطبيق هذا الشعار ولا كيف تتوفر الشروط التي يتم بها التطبيق، ولا تحليل النتائج التي يمكن أن تترتب عليها وكيفية معالجة نقاط الخلل، وفي بعض البلدان التي حكموها أعلنوا عن تطبيق ما أسموه بالشريعة الإسلامية، فأسرفوا في تقطيع أيدي وأرجل مناهضيهم باسم تلك القوانين، وقطعوا الكثير من الرقاب بمنصوصها، ولكنهم غفلوا عن حديث سيدنا أسامة الذي غضب الرسول صلى الله عليه وسلم فيه، من شفاعته في المرأة المخزومية التي سرقت، وقال قولته المنهجية العدلية الشهيرة "وأيم الله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها".

ففي دول "الإسلام هو الحل"، لا مجال لقطع يد فرد ينتمي التنظيم الإخواني، بل على العكس من ذلك، فإن نسبة الفساد من أولي الأمر، داخل الجماعة، حطّمت الأرقام القياسية من حيث الكم والمحتوى، وأصبح سارق العشرة دراهم من المناهضين يتعرض لقطع اليد، بينما سارق ملايين ومليارات الخزائن العامة يجد التبرير للمنتمي والموالي، وهو ما أدمنت وسائل الإعلام تناوله دون جدوى، فأسلوب التنظيم الإخواني المتّبع في كل مكان، هو أن يفعل التنظيم ما يفعل، غير آبه بالضجة المثارة بسبب أفعاله، حتى إذا ارتفعت الضجة وبلغت الحد الذي ينذر بالمساس بكرسي حكمهم، بدأوا البطش بكل قسوة وجبروت ودون أدنى رحمة، وفي التاريخ ما يغنينا عن إثبات القول.

ويناقض الدقي أفكاره في ذات البحث الذي قال في مطلعه إن الثورات العربية قد فاجأت التنظيم، بإدعائه دقة ما ذهب إليه المشروع من تركيز على معادلة الاستضعاف ونظريات التغيير وتقويم الواقع السياسي في الأمم والنظام العالمي، وخاصة دور النظم السياسية والبلاء الذي عمّ في الأمة بسببها.

فمسطرة مشروع الإخوان المسلمين مبنية على معادلة الاستضعاف، وهو ما جعل التنظيم يقوم بسرقة معظم الثورات العربية، لأنه يعتقد أن الثوار ضعفاء، ولأنه يصوّر نفسه في هيئة المستضعف المظلوم الذي جارت عليه الأنظمة السياسية، فيخدع الآخرين بوجه تنكري متقن، حتى إذا ما تمكّن له الأمر، كشّر عن أنيابه، وانقلب على الشعب الذي انخدع وتعاطف معه في البداية، ليجعل منه عدوه الأول.

ويلخص حسن الدقي المشروع الإخواني في التركيز على معادلة الاستضعاف، ونظريات التغيير التي يتخلّف عن بداياتها، ويدخل بعد وهن ثوارها كالمستريح الذي يدخل ميدان السباق من آخر الطريق فيجد المتسابقين قد أصابهم وهن المسافة فيحرز مركزاً متقدماً، ويقتطف الكرسي، ولا يتورع عن تسويق بضاعة التنظيم الإخواني التي ترمي النظم السياسية العربية دون تمييز بما يحيق بالأمة من ابتلاءات، وهي شعارات يجعلها التنظيم شماعة لتبرير محاربته تلك النظم، رغم أنه دائماً يخوض بدايات الحرب بغير أفراده، فهو يساهم بطريقة أو بأخرى في دفع أبناء الشعب المخدوعين بشعاراته البراقة، وفتاوى مجموعته الدينية المتناقضة، التي تصور لهم الحصاة جبلاً، ويدفعهم دفعاً للثورة على ولاة أمورهم، ويتخذ موقع المفاوض عنهم، والذي يقوم برفع سقف مطالباته جلسة بجلسة، ويقوم بإطالة أمد المفاوضات لكسب مزيد من الوقت لصب الزيت على النيران، ويستمر في التفاوض، وهو في قرارة نفسه يفاوض لأجل الوصول لحل واحد فقط لا ثاني له، وهو إزاحة الحكومة القائمة واستبدالها بحكومة إخوانية.

د. سالم حميد

باحث إماراتي