عباس يرتد إلى الرهان الأميركي

تبدو دبلوماسية مفاوض منظمة التحرير الفلسطينية تتخبط سياسيا هذا الأسبوع بين مسارين عربي وأميركي كلاهما مجرب ومسدود، يلتقيان على هدف تحريك المفاوضات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، لكنهما لا يتقاطعان ولا حتى يسيران في خطين متوازيين، بل يبدو المسار الأميركي منهما وكأنما يستهدف استباق وإجهاض المسار الذي أقرته قمة الدوحة العربية الأخيرة قبل أن ينطلق، بينما يبدو مفاوض المنظمة كأنما يرتد إلى الرهان على المسار الأميركي، بالرغم من أن التجربة التاريخية الحديثة قد أثبتت عقم المسارين كليهما.

إذ من المقرر وصول وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى دولة الاحتلال مساء السبت ليلتقي الرئيس محمود عباس غدا الأحد، في العاصمة الأردنية عمان كما ذكرت تقارير إعلامية نفتها عمان أو في رام الله، حيث سوف يغادر عباس بعد ذلك إلى الدوحة لحضور اجتماع اللجنة الوزارية لمتابعة مبادرة السلام العربية التي ستبحث تنفيذ قرار القمة العربية الأخيرة بإرسال وفد عربي برئاسة قطر إلى العواصم الأميركية والأوروبية وغيرها بالإضافة إلى الأمم المتحدة لـ"إقناعهم" بالتحرك لـ"إقناع" دولة الاحتلال باستئناف المفاوضات الثنائية مع مفاوض منظمة التحرير.

ولا يفوت المراقب هنا ملاحظة أن زيارة كيري الجديدة هي الثالثة له خلال أسبوعين، ما حدا بتقرير للأسوشيتدبرس يوم الأربعاء الماضي إلى تشبيهها بـ"دبلوماسية المكوك" التي انتهجها سلفه الأسبق هنري كيسنجر والتي قادت قبل ما يزيد على ثلاثة عقود من الزمن إلى معاهدة الصلح مع دولة الاحتلال التي أخرجت مصر من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي بمعاهدة ما زالت تنتقص من سيادتها على أرضها في شبه جزيرة سيناء حتى الآن.

ولا يفوت المراقب كذلك المقارنة بين الاستباق الأميركي لقمة الدوحة العربية الأخيرة وبين الاستباق الأميركي لاجتماع لجنة المتابعة العربية هذا الأسبوع بزيارات مماثلة، وسط مؤشرات إلى أن مفاوض منظمة التحرير قرر اختيار المسار الأميركي على المسار العربي.

فاختلاف عباس المعلن مع قرار قمة الدوحة العربية بعقد قمة مصغرة للمصالحة الفلسطينية بقيادة مصر لا يمكن فصله عن انفتاح مسار أميركي أمامه يغنيه عن الاستجابة لتنفيذ هذا القرار ويغنيه عن جهود أي وفد عربي لإقناع الولايات المتحدة باستخدام مساعيها الحميدة لدى دولة الاحتلال لتحريك المفاوضات بالاستجابة لاستحقاقاتها.

وفي هذا السياق لا يفوت المراقب كذلك ملاحظة أنه بينما كان "الانجاز الحقيقي الوحيد" لزيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما الأخيرة للمنطقة هو تطبيع العلاقات التركية مع دولة الاحتلال وبدء عملية "مصالحة" بينهما، كما كتب سفير سريلانكا السابق في واشنطن ايرنست كوريا في مقال له مؤخرا، فإن المسار الأميركي الذي فتحه أوباما ويتابعه كيري لمفاوض المنظمة قد تحول عمليا إلى السبب الرئيسي في المماطلة في تنفيذ اتفاق المصالحة الفلسطينية وفي عدم التجاوب مع قرار قمة الدوحة بعقد قمة عربية مصغرة لهذا الغرض.

ولأن المقال الذي نشره سفير فلسطين في العاصمة الأميركية، معن رشيد عريقات، في الثاني من الشهر الجاري لا يمكنه إلا أن يكون تعبيرا عن الموقف الرسمي للمنظمة، فإن التقييم الايجابي الذي منحه لنتائج زيارة أوباما الأخيره رسالة واضحة بانفتاح مفاوض المنظمة على المسار الأميركي وتفضيله له على المسار العربي.

فـ"عملية تطبيع العلاقات قد بدأت" بين إدارة أوباما وبين قيادة المنظمة "نتيجة للزيارة"، و"الانتظار لم يعد خيارا" لاستئناف المفاوضات والتوصل إلى سلام في ضوء الاضطرابات التي تجتاح "الشرق الأوسط"، و"هذا هو ما ينوي عمله وزير الخارجية جون كيري خلال الأسابيع القليلة المقبلة"، وبناء عليه، وبعد أن ذكّر عريقات بإنشاء لجنة ثنائية أميركية – فلسطينية في تسعينيات القرن العشرين الماضي كانت تجتمع مرتين سنويا قبل أن تتوقف اجتماعاتها عام ألفين، قال إن "رفع العلاقات مع الشعب الفلسطيني يمكنه أن يعزز إلى حد كبير ليس فقط آفاق السلام بل ايضا الثقة" المتبادلة، في دعوة واضحة إلى استئناف اجتماعات تلك اللجنة، وفي مؤشر آخر إلى عودة مفاوض المنظمة للرهان العقيم على الولايات المتحدة.

إن الرسالة التي بعثت بها حوالي مائة شخصية من القيادات اليهودية والصهيونية الأميركية إلى رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو يوم الأربعاء الماضي تحثه فيها على اتخاذ "خطوات ملموسة لبناء الثقة .. تستجيب لدعوة" أوباما لاستئناف المحادثات مع الجانب الفلسطيني هي مؤشر ثالث يصب في ذات الاتجاه.

لكن الخبر الذي نشرته صحيفة هآرتس العبرية أمس الأول الخميس ونسبته إلى مسؤولين رفيعي المستوى أحدهما فلسطيني والآخر إسرائيلي بأن عباس "سوف يعلق كل الاجراءات من جانب واحد في وكالات الأمم المتحدة" كي يعطي كيري "وقتا لإعادة بدء جولة جديدة من المحادثات الإسرائيلية – الفلسطينية" هو خبر إن صدق سوف يكون مؤشرا قاطعا لا لبس فيه إلى عودته للرهان على الحرث في البحر الأميركي، عودة سوف توفر على قمة الدوحة مهمة إرسال وفد إلى العاصمة الأميركية لم يعد لإرساله لزوم.

وبانتظار التأكيد المتوقع لهذا التوجه بعد اجتماع عباس وكيري الأحد فإن مهمة عباس في اجتماع لجنة المتابعة العربية سوف تكون إقناعها بتفويض مهمتها إلى كيري على الأرجح، ومن المؤكد أن قمة الدوحة التي اتخذت قرار إرسال هذا الوفد "رفعا للعتب" الفلسطيني لن تكون بحاجة إلى أي إقناع للتخلي عن مهمة فشلت في أمثالها مرارا سابقا ولم تكن تتوقع اي نجاح لها هذه المرة.

وحماس مستقطبة أيضا

والمفارقة أن حركة حماس المعارضة للرئيس عباس تبدو اليوم مستقطبة في الخندق ذاته الذي يراهن عباس عليه.

في مقال له قبل أيام، حذر رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خالد مشعل، من أن "إدارة العلاقة" العربية "مع الغرب والدول الكبرى .. يجب أن لا يكون على حساب القضية الفلسطينية ودور العرب فيها"، ما يعني صراحة وضمنا أنها تجري الآن على حساب فلسطين وقضيتها، وحث على "ضرورة رفع سقف الموقف العربي" في الصراع مع دولة الاحتلال و"مراجعة الاستراتيجية العربية القائمة" و"طي صفحة المشاريع والمبادرات التي أكل الدهر عليها وشرب"، في إشارة واضحة إلى "مبادرة السلام العربية"، و"البدء والبحث في تغيير الاستراتيجية العربية تجاه الصراع" مع دولة الاحتلال والمقاومة وحركاتها، فتحريم "عدم تزويد المقاومة بالسلاح يلزم أن يصبح اليوم ممكنا"، في دعوة صريحة إلى تسليح المقاومة الفلسطينية، و"هذا يقتضي كبداية تغيير اللغة السياسية" فلا يصح "أن تبقى المبادرات هي المبادرات ذاتها والمشاريع هي المشاريع ذاتها والمواقف هي المواقف ذاتها".

لكن ما يجري الآن يؤكد بأن الحال العربي والفلسطيني باق على حاله من دون أي تغيير، وسوف تظل رؤية مشعل هذه تندرج في باب الأمنيات ما لم يحولها بعد تجديد ولايته للمرة الخامسة كرئيس للمكتب السياسي لحركة حماس إلى برنامج سياسي للحركة ينعكس على تحالفاتها الدولية واصطفافها العربي.

فالمسار العربي لا يزال مرتهنا للمسار الأميركي وكلاهما يحدد مسار منظمة التحرير ومفاوضيها، وبالرغم من التفاوت الظاهري بين المسارات الثلاث فإنها في الواقع مسار واحد يحاصر رؤية حماس ورئيس مكتبها السياسي لمسار عربي وفلسطيني جديد يخرج الوضع العربي والقضية الفلسطينية من الدائرة الأميركية المغلقة التي يدوران فيها منذ سنين.

وهو ما يقتضي بدوره بحث حماس والمقاومة وفصائلها الفلسطينية والعربية على حد سواء عن مقاربة جديدة للتعامل مع المسارات الثلاث التي تحاصرها جميعا، مقاربة تقتضي بدورها مراجعة لمسير المقاومة ونقدا ذاتيا له يوفق بين رؤية حماس الطموحة، كما عبر مشعل عنها، وبين وضعها موضع التطبيق في علاقاتها العربية الراهنة.

فالقضية الفلسطينية تحتاج "إلى الأمة بكل تياراتها ومكوناتها، الإسلاميين والقوميين واللبراليين واليساريين. هذه أمتنا نحتاجها جميعا، وفلسطين كانت قضية الأمة وستبقى كذلك" كما قال مشعل، لكن "الطائفية البغيضة" و"التقسيمات العرقية والمذهبية والدينية" التي "عشعشت في المنطقة"، والتي طالب مشعل بـ"النأي" عنها "جميعا"، هي عنوان الاستقطاب العربي الراهن، وهي كاسحة ألغام المسار الأميركي الاقليمي لتفتيت وحدة الأمة حول قضيتها الفلسطينية.

ومما لا شك فيه أن لحركة حماس دورا حاسما لا يزال في انتظارها في جسر هذا الاستقطاب العربي وقطع الطريق على التسعير الأميركي له، فالأوان لم يفت بعد كي تبادر حماس للعب هذا الدور العربي قبل أن يفوت الأوان، فالطريق إلى دمشق وطهران لا تزال مفتوحة ولم تنغلق تماما أمام الحركة بعد، فقنوات الحركة الوطنية الفلسطينية يجب أن تظل مفتوحة مع الجميع.

إن الخشية التي أعرب عنها رئيس الوزراء الأردني عبد الله النسور من حرب عالمية تندلع بسبب الأزمة السورية هي احتمال واقعي يقتضي أميركيا "تهدئة" كاملة على المسار الفلسطيني، وزيارة رئيس الوزراء التركي المرتقبة إلى قطاع غزة وكذلك تطبيع العلاقات الأميركية مع منظمة التحرير الفلسطينية تصب في خدمة تهدئه جبهو الصراع العربي – الإسرائيلي.

وبالتالي فإن الوعود الجديدة التي تقدمها إدارة أوباما للرئاسة الفلسطينية تتحول في هذه الحالة إلى خداع مفضوح يمنّي مفاوض منظمة التحرير بآمال ووعود لم تف الولايات المتحدة بمثلها طوال السنوات العشرين المنصرمة.

وهذا العامل بالإضافة إلى الخلاصة التي توصل اليها مؤتمر الأمن القومي الفلسطيني بغزة مؤخرا بأن النفوذ الأميركي يتقلص في المنطقة وبأن الأمن الاقليمي يعتمد اعتمادا متزايدا على فلسطين، هما عاملان يجعلان الرهان الفلسطيني على واحد فقط من قطبي الانقسام العربي والإقليمي الراهن مغامرة فلسطينية خطيرة، خصوصا لأن كلا قطبي الانقسام الفلسطيني، المنظمة وحماس، يصطفان الآن معا في خندق القطب العربي – الإقليمي المدعوم أميركيا.

وهو ما يجعل إعادة نظر منظمة التحرير الفلسطينية وحماس على حد سواء في هذا الاصطفاف السياسي استحقاقا وطنيا ملحا، ويجعل المصالحة الوطنية بينهما استحقاقا أكثر إلحاحا.