الإخوان المسلمون في فكر حسن الدقي(3)

ما معنى تأييد الله لجماعة حزبية دون غيرها؟

ما زلنا نواصل القراءة في بحث "زلزال الثورة العربية والمشروع الإسلامي" الذي كتبه حسن الدقي إبان صرعة "الجحيم العربي"، ونواصل القراءة في قوله "التمكين لا يحدث برغبة كاملة من المستضعفين، ولا بتخطيط دقيق منهم، وإنما يقذف الله تعالى بالمستضعفين من مرحلة إلى مرحلة كما أخبرنا ربّ العزّة بذلك في كتابه العزيز (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ، يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ) الأنفال 5 – 6، وكأيّ حدث بهذا الثقل والاتّساع والسرعة، فإنه وبلا شك وبقدر ما أسعد المخلصين من رجال الأمة وعلمائها وأخيارها، فقد ألقى على الساحة قدرا من الرمادية ووضع أمام الدعاة علامة استفهام كبرى حول طبيعة المستقبل القريب والبعيد، مما يقتضي سرعة العمل على تحديد الاتجاهات الرئيسية للتعامل مع المرحلة وتوظيفها لصالح التغيّر الكلي وباتّجاه التمكين بإذن ربّ العالمين."

فالتمكين كما هو معروف عنه في قاموسالإخوان، هو الأخونة التي تقوم بتقسيم المجتمع إلى طبقتين لا ثالث لهما، الأولى هم الموالين الذين يحق لهم الاستمتاع بكل مقدرات الدولة، واستعباد الشعوب، والفساد بغير ما رادع إنساني أو أخلاقي، ودون وازع ديني أو وخز ضمير، والفئة الثانية هم المغضوب عليهم والذين لا تذهب أهواؤهم في اتجاه الانضمام للاتجاهالإخواني أو مناصرته، ويتجلى هذا التقسيم في كافة الدول التي يحكمها ويتحكم فيها تنظيمالإخوان المسلمين.

يعترف الدقي بأن التمكين لا يأتي برغبة كاملة من المستضعفين، ما يؤكّد نظرية أن الفكرالإخواني بالأساس يعتمد على إكراه منسوبيه على الارتباط به بسبب ما يهددهم به من وثائق وأحداث وإثباتات، يستخدمها وقت الحاجة، لو حاول العضو خيانة التنظيم أو الانسلاخ عنه، ويقصد بالمستضعفين كافةالإخوان، فللإخوان في داخلهم تقسيمات تجعلهم شعوباً وقبائل، لأن الوعاءالإخواني المبني على الميكيافيلية، يجيز حتى ظلم أولي القربى الفكرية من التنظيم، فللقبائل والأوضاع المالية والجهوية وغيرها من صور العنصرية حضوراً واسعاً في واقع التنظيم، وقادته في كل مكان بأسهم بينهم شديد، فالاغتيالات السياسية، وتدبير المؤامرات وغيرها من الأساليب الماسونية، تتفشى بوضوح، وتستشري في الجسدالإخواني الواحد، فللكرسي أياً كان حجمه وموقعه قوانينه الخاصة عندهم، والمحافظة عليه تجيز في أعرافهم كل المحاذير والروادع، وغدر الأقربون سمة إخوانية بارزة.

ويحاول حسن الدقي، المطلوب للعدالة الإماراتية، تبرير سرقةالإخوان للثورات العربية بهذا القول في ادّعائه بأن التمكين لا يأتي بالاستعداد والتخطيط له، ولكنه "قذف" إلهي، يقذفه الله تعالى في واقع التنظيم، مستدلاً بالآيتين الخامسة والسادسة من سورة الأنفال، في خلط متعمد أعتادهالإخوان لخداع الناس به، فالآيتان الكريمتان اللتان نزلتا على الرسول صلى الله عليه وسلم، نزلتا في وقت كان خروج الرسول فيه لمحاربة الكفار، لا المسلمين، وتشبيهه للكارهين بمعارضيه الذين رفضوا الانقياد للتمكينالإخواني فيه الكثير من السقط، فهؤلاء لم يكرهوا الانضمام للصفالإخواني خوفاً من عدو، ولكنهم لم يرتضوا أن يدعمواالإخوان ضدّ شعوبهم، وهنا تتجلى أعظم صور التناقض، فكيف يريد الدقي من هؤلاء أن يخرجوا معالإخوان لمحاربة أنفسهم، لأنهم يمثّلون العدو الذي يخرجالإخوان لمنازلته، وهي الخطوة التكفيرية الأولى من خطواتالإخوان الشيطانية التي اعتادت التّدرّج في كل شيء.

ويعترف الدقي بأن الربيع العربي قد فاجأ التنظيم، نافياً تخطيطه له، ومعترفاً بأنه "ألقى على الساحة قدراً من الرمادية ووضع أمام الدعاة علامة استفهام كبرى حول طبيعة المستقبل القريب والبعيد، مما يقتضي سرعة العمل على تحديد الاتجاهات الرئيسية للتعامل مع المرحلة وتوظيفها لصالح التغيّر الكلي وباتّجاه التمكين"، وقد جاء الاعتراف بسبب السقطات الكبيرة التي وقع فيها علماء التنظيمالإخواني الذين قاموا بتفصيل الفتاوى على مقاساتالإخوان وهم خارج السلطة، وتحاملوا على الحكام، وأيدوا المعارضة خلال تلك الفترة، ولما انقلبت الأوضاع، وجدوا أنفسهم في حرج بالغ.

لأن الميزان يحتاج تعديل باستدارة كاملة، والفتاوى القديمة التي بثّوا سمومها بين المسلمين انتهت فترة صلاحيتها، وتحتاج الآن سحبها من الأذهان، ولا بد من إخراج فتاوى مضادة، فإجازة الخروج على ولي الأمر المسلم، لا تصلح في عصر اعتلاءالإخوان كراسي الحكم، والتعامل أو التحالف أو حتى تأدية فروض الولاء والطاعة للأجنبي الكافر، لم تعد محظورة أو محرمة كما كان عليه الحال قبل السلطةالإخوانية، ولذلك رأى الدقي بأن فرحةالإخوان الذين خلع عليهم لقب "المخلصين من رجال الأمة وعلمائها وأخيارها"، تبدو ناقصة تحتاج التكميل.

وقد حدث ما نصح به الدقي، فانقلبت الفتاوى بزاوية كاملة، وانكشفالإخوان الذين أثبت الدقي من قبل أنهم لا يملكون حلولاً، ويجب أن يفكروا في طبيعة ومقتضيات المرحلة، بعدما بدأوا يغرقون في أحداثها، ما يثبت أن التخطيطات المسبقة معدومة في الفكرالإخواني الذي لا يملك غير التباكي على حائط سيرة مؤسسه حسن البنا الساعاتي، وشعارات برّاقة لا تحمل شيئاً من الفكر، ولكنها كالطلاء الذي دهن به الزمان واجهةالإخوان الفكرية الصدئة، فلما زال الطلاء، بدأ الصدى في التحاتت والتآكل، وانكشف المستور بسقوط الأقنعة.

د. سالم حميد

باحث إماراتي