الخيمة المغربية ومبادئ المنتدى الاجتماعي العالمي

التواضع أساس النجاح، من هنا نبدأ ونقول أن المغرب به مَلَكِيَّة تاريخية لها جذور راسخة في التربة المغربية دينيا وسياسيا وثقافيا، مملكة ناضلت من أجل حدودها وأمنها بلا تكلف وإنما تناغما مع وظائفها القانونية والسياسية وواجباتها الدينية باعتبار الدين محددا أساسيا من مقومات النظام الملكي المغربي منذ زمن بعيد وعبر عصور مختلفة. فالدفاع عن السيادة المغربية يتماشى مع فهم عميق لحركة التاريخ والأحداث والتكيف البرغماتي مع الظروف بشكل لا يتناقض مع البنية السيكولوجية والاجتماعية للشعب المغربي ومتطلباته للأمن والاستقرار وتوقه للحرية والإبداع بلا تشويش على هذه المعطيات، والتي لا يمكن الحكم عليها إلا في إطارها الديمقراطي الذي ارتضاه المغرب دولة وشعبا بشكل متكاثف، تحديا للمعوقات الذهنية أو المصلحية الضيقة التي تتوارى تحت عباءات متنوعة ومتعددة والتي تحاول تسفيهه والتشويش عليه.

شكلت قضية أرض الصحراء المغربية شعبا وثقافة وتراثا امتدادا طبيعيا لما يحدث عبر الأرض المغربية على طول وعرض جغرافيته تجاريا وسياسيا وعسكريا، فالثغرات التي يحاول البعض خلقها في ملف القضية الصحراوية ينسى أو يتناسى أنها كانت أرضية ومنطلق دول حكمت المغرب كإمبراطورية أو سلطنة أو ملكية، إذ من الممكن أن يحمل المغاربة المعاول والعصي والأحجار من أجل الدفاع عن ممتلكاتهم وحدودهم وعلامات ومقومات وجودهم، ومن الممكن أن يبدعوا أساليب أخرى وخطوات مبتكرة تعبر عن مدى التزامهم بمفاهيم كونية من حرية واستقلال قرار وحق في الحياة بكل معانيه السامية.

في هذا الإطار من يمكنه أن ينسى تلك الآلاف من المغاربة الذين حملوا المصاحف تعبيرا عن إيمانهم بأحقية مطلبهم في أرضهم، وباليد الأخرى يحملون عَلَما يُذَكِّرُ من يرى ويسمع بولائهم لوطنهم، وكان الزحف إلى أقاليمهم الجنوبية تعبيرا عن وحدة وطنهم وتعبيرا عن تطلعهم للحرية والكرامة. ومن يطلع على ملف الصحراء من خلال ملابساته وتاريخه والمتدخلين فيه يرى أنه نزاع مفتعل، نزاع لا يمكن اعتباره شرا كله بل فرصة، لم يكن أبدا التنصل منه ممكنا في ظل ظروف إقليمية ودولية خلقت كيانا وأعطته أسبابا موضوعية للوجود، فرصة دفعت الدولة بمؤسساتها ومجتمعها وأحزابها ومنظماتها وإمكانياتها إلى الإبداع في فهم الذات بشكل أفضل، وعلى النظر بشكل موضوعي إلى حاجات الناس والقضية نظرة جديدة، وأيضا على رؤية خاصيات الموقف الإقليمي والدولي القابلة أو غير القابلة للتعديل والتغيير بعين المتفحص الخبير.

إذا كان من غير الممكن تجنب النزاعات فلابد من توقع أي شيء وأي تصرف من الطرف الآخر، وبناء عليه عندما تقوم عناصر جزائرية مدعومة بعدد من انفصاليي البوليساريو بالتحرش بمغاربة مستعملين أسلحة السب والشتم٬ على هامش المنتدى الاجتماعي العالمي الذي اختتم اشغاله يومه الاحد 31-03-2013 بتونس بتاريخ والمنعقد للمرة الأولى في بلد عربي منذ تأسيسه في 2001 بالبرازيل ألم يسمعوا إلى العضو الفعال في المجلس الدولي للمنتدى الاجتماعي العالمي غوستاف ماسياج يقول بأن تنظيم هذا المنتدى أتاح "إطلاق نقاش واسع لإيصال صوت من لا صوت لهم"؟ وانطلاقا من مبادئ هذا المنتدى الاجتماعي العالمي المتمثلة في أنه فضاء مفتوح للقاء فعاليات المجتمع المدني من اجل التفكير الجاد ونقاش الأفكار التي تعزز قيم الديمقراطية وصياغة المقترحات من اجل بناء مجتمع كوني يجعل من الإنسان محورا له. فكيف يكون النقاش بهذا الأسلوب وبهذه العقلية المنغمسة في سلوكيات اقل ما يمكن القول عنها أنها فاشية ولا تمت لقيم الديمقراطية بصلة؟

من جهة أخرى فهذا تعبير واضح عن خواء فكري وانعدام الحجة التاريخية والقانونية حيث أن الاعتداء السافر على أناس يدافعون عن جزء من وطنهم بالدليل المادي ويحملون ملفا متكامل الأركان على صدق قضيتهم، وتبنى المنتدى الاجتماعي العالمي ما أطلق عليه "ميثاق السلم" الذي اقترحه الوفد الجزائري والذي من أهدافه "خلق مناخ خال من الحروب والنزاعات المسلحة كي تتمكن شعوب المعمورة من تكريس جهودها للتنمية الاقتصادية والاجتماعية،" يجعلنا نتساءل عن مصداقية هذه الدعوى التي نرى في ثناياها بروباغاندا لتلميع صورة الكل يعرف حقيقتها، وتسطيح لقيم من السهل ترتيب مفرداتها وتنميقها لتمرير أجندات معاكسة لمنطق السلم والأمن الإقليمي والدولي، فبعد فشل البوليساريو في توظيف محاكمة متهمي أحداث "اكديم ازيك" المشؤومة توظيفا يخدم أجندة المناوئين للوحدة الترابية للمملكة لم تعدم هذه الجهات الحيل الرديئة والمكشوفة في التشويش وإثارة البلبلة.

إن استخدام القوة والترهيب والخداع من أجل الوصول إلى الهدف غير الشرعي من قِبَلِ البوليساريو والداعم الرسمي لها الجزائر يعد بمقاييس البلطجة أمراً مقبولاً ومحمودا، لكن حسب المستوى المعياري في النظرة إلى الصراعات فهذا الأسلوب مستهجن ومستنكر. ويعد التسبب في هذا المشكل وإثارته أمراً سيئا فهذه التحرشات والاستفزازات التي تعرض لها المغاربة المدافعين عن قضيتهم المشروعة يلعب فيها العامل السيكولوجي دوراً مهما باعتبار العصبية والشعور بالغضب والاكتئاب الذي أصاب الانفصاليين ومواليهم، والذي أحسوا به ولمسوا خطورته على أطروحتهم من خلال تحركات الدبلوماسية المغربية على جميع المستويات لفضح الوضع غير الإنساني الذي يعيشه الصحراويون المغاربة المحتجزون في مخيمات تندوف بجنوب الجزائر. كما تلعب ثقافة الاختطاف والتهويل والبرمجة على الصدام وخلق التوترات التي بنى عليها الجانب الانفصالي استراتيجيته دورا اكيدا، وفعالا في تحركاته، ووجد في المهمة موضوع الصدام مجرد مناسبة لممارسة الأساليب المتنوعة والمتدرجة نحو الأسفل لمحاصرة النهج السلمي المغربي في جميع المحطات ومنها هذا المنتدى الاجتماعي وهذا ما يسعون إليه مسلوبي الإرادة والوعي.

غالبا ما كان الجانب المغربي المتمثل في شقه السياسي والدبلوماسي يدفع نحو خلق أو إقامة الاتصالات الايجابية وإرسال الرسائل الواضحة اتجاه حل المشكلات سلميا، وتشجيع التبادل الإيجابي بين الأطراف المعنية بقضيته المحورية الصحراء المغربية أو غيرها من الأزمات الدولية، وللتذكير فالمغرب لم يطعن الجيران والأصدقاء حتى في خضم الأزمات والحروب وهذا دَيْدَنُهُ وما درجت عليه أخلاق أبنائه ولكم في التاريخ عبرة وحكمة فارجعوا إليه متواضعين فتجدوا أن المغرب كان يحتفي ويحتوي ويكرم من يلتجأ إليه بارا بمن تقطعت به السبل أو تعرض للقهر والتهديد ولن يسمح بأي حال أن تُقطَع أوصال ارضه أو ينفصل جزء من ترابه.

من هنا كانت أهمية النظر إلى هذا الصراع باعتباره متضمناً لعوامل ودوافع الإنجاز على الأرض ولكم مثال بارز في التنمية بالأقاليم الجنوبية وما شكله من ارتباط المغاربة بوطنهم ومقومات وجودهم بلا أدنى عُقَد، في إطار من الدوافع الإيجابية والخلاقة واستلهامه كوسيلة للتغيير والدفع الايجابي نحو تحقيق قيم أصيلة تتعلق بحياة المواطن على أرضه والمتضمنة للرفاهية وتدعيم العدالة وتحقيق التنمية على المستويات الاقتصادية والتربوية والسياسية والثقافية نحو تحقيق التكامل والاندماج واستعادة التوازن، وبحثه ومقاربة مشاكله بلا ضجة وداخل الخيمة الوطنية.

إذن هذا الصراع كتعارض بين إرادتين لم تفتأ المملكة على استدعاء الجوانب القانونية والسياسية والتاريخية لحله، وأبدت استعدادها ورغبتها في حل المشكلة المفتعلة بدل اللعب بالنار الذي تنهجه البوليساريو ومُرْضِعَتها، وهذا ما يمكننا أن نثيره من الاستفسارات حول مستقبل التكامل المغاربي في إطار اتحاد المغرب العربي.