التآمر على شيخ الأزهر

على الرغم من أن المؤشرات تحمل شكوكا حول إمكانية أن يكون أمر تسميم طلاب المدن الجامعية التابعة لجامعة الأزهر بالقاهرة مدبرا، إلا أننا سوف نستبعد التدبير، ونقول أن الأمر جاء نتيجة الإهمال والفساد والتسيب الذي ليس قصرا على مكان دون الآخر في مصر الآن، لكننا لا نستطيع تجاهل أن ما جرى بعد ذلك مدبرا ومقصودا.

فالمفهوم أن يخرج الطلاب هاتفين ضد رئيس الجامعة وعمداء الكليات ومسئولي التغذية بالمدينة، كما هو المعتاد في جميع التظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات الفئوية غير السياسية، لكن أن يتجهوا لمشيخة الأزهر ويقتحمونها هاتفين ضد شيخ الأزهر د.أحمد الطيب ومطالبين بإسقاطه، ويحاولون مع القنوات الفضائية المصرية الخاصة والرسمية من تغطية اقتحامهم باستثناء قناتي الإخوان "25" وقناة الجزيرة مباشر مصر، فهذه يؤكد أن الأمر قد رتب ودبر بأوامر لا يستبعد أن تكون مسئولة في الدولة أو في جماعة الإخوان.

ما جرى في المدن الجامعية للأزهر جاء بعد يومين أو ثلاثة من تحول الرئيس الإخواني محمد مرسي لقانون الصكوك الإسلامية الذي أقره مبدئيا مجلس الشورى ذو الأغلبية الإخوانية وسط معارضة قوية من قوى إسلامية وليبرالية، إلى هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف لمناقشته وإبداء الرأي الشرعي فيه، وذلك بناء على طلب مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر برئاسة شيخ الأزهر الذي رفض مرتين متواليتين الإقرار بشرعيته.

ومع الإلحاح أصدر الأزهر بيانا أكد فيه رفضه للقانون موضحا "أنه لو جاء مشروع يعتمد على ضَياع أصول الدولة، لا يمكن للأزهر أنْ يوافق عليه؛ لأنّ رعاية أصول الدولة وتنميتها والحفاظ عليها واجب جميع المصريين، ولذلك فنحن مع أيِّ مشروع يساهم في نهضة الوطن، ويخدم المصلحة العليا للبلاد، ولا يُبدِّد ممتلكاتها، ولا يَتعارض مع شريعة الإسلام؛ فالأزهر ضمير الأمَّة وحارسها الأمين".

وإذا عرفنا أن الرئيس وحكومته وجماعته يعلقون آمالا واسعة على تمرير هذا القانون، الذي سيمكنهم من تدبير الموارد المالية اللازمة للحيلولة دون إفلاس الدولة ومن ثم سقوط نظامهم، فالقانون يسمح ببيع أو تأجير الأصول التي تديرها الدولة لفترة طويلة، كما يتيح ضمنا بيع الأصول ويحتوي على نص يعطيه حصانه ضد القضاء.

هذه واحدة أما الثانية فهي تحالف موقف الأزهر شيخا وقيادات مع موقف الجماعات السلفية ضد فتح البلاد والعباد أمام التشيع، فشيخ الأزهر لم يخف موقفه من التشيع ورفضه التدخل الإيراني في الشأن المصري والعربي، وشهدت الأيام الأخيرة حملة واسعة رفضا لما يسعى إليه النظام الإخواني من فتح الباب أمام الشيعة خاصة بعد بدء زيارات الإيرانيين إلى مصر، ولمواجهة التقارب المصري الإيراني في الفترة الأخيرة، وردع الرئاسة والسلطة التنفيذية اللتين تصران بقوة على عدم الاستجابة للنصائح بعدم التقارب مع أصحاب المذهب الشيعي.

الأمر الثالثة الذي لا يمكن استبعاده هو علم الرئيس وجماعته بحصول د.أحمد الطيب على جائزة الشيخ زايد لشخصية العام الثقافية، وهي جائزة إماراتية عربية وعالمية رفيعة المستوى، وإعراب مجلس أمناء الجائزة في حيثيات منحه الجائزة أن شخصية د.الطيب هي شخصية العالم المسلم الورع الذي يمثل الوسطية الإسلامية البعيدة عن الغلوّ، والداعية إلى ثقافة التسامح والحوار والدفاع عن المجتمع المدني. وقد تجلت أبعاد هذه الشخصية من خلال مواقفه التي ظهرت في أثناء رئاسته لمشيخة "الأزهر الشريف"، ودعواته المتكررة لنبذ الفرقة والعنف، والاحتكام إلى العقل، والحفاظ على هوية المجتمع وتماسكه، وقد تبدى ذلك كله بشكل جليّ في الفترة الأخيرة التي احتدم فيها الصراع الديني والسياسي من خلال ما عرف بـ "وثيقة الأزهر" التي تعكس هذا الوعي، وتحرص على أن يظل لمصرَ دورها العربي والإسلامي المتوازن في علاقاتها بشقيقاتها من الدول العربية".

في ضوء ذلك وفي ظل التغلغل الإخواني في جامعة الأزهر والذي كشف عنه منذ سنوات في صورة استعراض مليشيات الإخوان للقوة في جامعة الأزهر، وتأكيد بعض الطلاب المتظاهرين على انضمام أعداد كبيرة من شباب الإخوان من خارج الجامعة، نستطيع رؤية مشهد التآمر مدبرا ومقصودا، يستهدف أولا تشويه صورة شيخ الأزهر كشخصية تحتل مكانة في قلوب مسلمي العالم كله، والأزهر كقلعة من أعظم قلاع الإسلام الوسطي المعتدل ماضيا وحاضرا، وثانيا الاستيلاء عليه خاصة وأن هناك أطماعا واضحة من قبل شيوخ جماعة الإخوان خاصة شيخها يوسف القرضاوي، الذي يبدو أنه يسعى قبل موته أن يشرف نفسه بالجلوس على مقعد شيخ الأزهر.

وفي كل الأحول لا يمكننا فصل ذلك عن سياق تفكيك وهدم الدولة المصرية وبنائها أو إعادة صياغتها وفقا لأطماع الجماعة وطموحاتها، وهو ما يعمل عليه الرئيس وجماعته وبعض حلفائهما من المتطرفين والمتشددين، الأمر الذي يستلزم وقفة صارمة لمختلف القوى الدينية الوسطية والمعتدلة والليبرالية أحزابا وتيارات ومنظمات المجتمع المدني، وأيضا لمؤسسات الدولة السيادية التي تتعرض لنفس التشويه كالجيش والمخابرات.