بغداد تضحك تحت شمس الثقافة

أنشودة حالمة في الزمن العابر

في مساء من مساءات السبت الثالث والعشرين من شهر مارس العام 2013 رفرفت أعلام العالم العربي على بساط أخضر في إحدى حدائق بغداد، وتحديدا بحديقة الزوراء حيث نصبت أكبر خيمة لتكون مسرحا لاحتفالية بغداد عاصمة للثقافة العربية 2013 بحضور عربي مكثف من وزراء للثقافة ووفود عربية وأجنبية وسفراء ووكلاء وفنانين ومثقفين، أبّوا إلا أن يشاركوا عرس بغداد التاريخي.

في حديقة الزوراء وتحت خيمة بيضاء ووسط تشديد أمني لم يسبق له مثيل، افتتح حفل بغداد عاصمة الثقافة العربية 2013، إذ استهل الكلمة الدكتور سعدون الديلمي، وزير الثقافة باعتذاره لضيوف بغداد عن التشديد الأمني، مشيرا إلى أن "هناك خلايا نائمة لا تريد للعرب أن يجتمعوا".

بغداد لبست حلة العروس، فكانت أنشودة حالمة في الزمن العابر وعبرت في ملحمة الافتتاح "حقيقة بغداد" للراحل محمد علي الخفاجي عن عودة للزمن البغدادي الزاهر بالثقافات والحضارات، فجاء ذلك في أوبريت فنية، تحاكي العلاقة الوطيدة التي تربط العراقي بوطنه في فصول تعرض الحضارات الإنسانية التي أنارت دروب البشرية وأسست لشواهد تاريخية، ينبلج فيها الخيط الأبيض ويفتح الأفق نحو الثقافات والحضارات المتعاقبة، بدءا بالحضارة السومرية ووصولا للعصر الحديث والانفتاح على عهد جديد.

خشبة خيمة الزوراء، نقلت الحضور إلى حقبات زمنية، تاريخية، جسدت حضارات مرت على العراق، فشكلت إشعاعا ثقافيا مميزا، أسس لدولة يشهد لها العالم بأنها منارة للعلم والإبداع وإشعاعا ثقافيا سيظل على مر العصور ينير التاريخ الإنساني. فكانت بغداد حاضرة بتفاصيل المشهد التاريخي والإبداعي باعتبارها نورسا للسلام والأمان.

واستمر مشهد المجد التليد في وصلة الابن العائد نصير شمة، الذي سجل حضوره في الحفل الافتتاحي بعزف شنف به مسامع الحضور. نصير احتضن عوده في قصة عشق أبدية، ونقل الحضور في وصلات من الفلكلور العراقي والتراث الأصيل بتوقيع من أنامله على أوتار عوده، فكان الغزل راقيا لبغداد مختتما وصلته "بوطني".

بغداد تضحك تحت شمس الأمان، تضحك وتطوي مآسيها وأحزانها. بغداد تطرز تباريح الشوق إليها، تضم بين ضلوعها عشاقها وقد انبلج ليلها رقراقا بين جداول الحضارة السومرية وحضارات أخرى تعاقبت بعدها، فلبست الأبيض لضيوفها إحياء لعرس بهيج، العروس فيه نقية، توسمت بعفاف قديسة واستحمت بعطر الورود تيمما بهم، فتمنوا عشاقها أن يكون الشتاء أربع مواسم حتى يناموا بحضنها الدافئ.

بغداد تزف عروسا للعرب في عرس بهيج، أفصح عن أبجديات بعد غياب لم يكن في الحقيقة جليا. أبدا لم يفزعها دوي التفجيرات ولم تستح من أن تشهر مفاتنها وتغازل العرب، مرحبة (بتراب) الكلمات ومرددة أن العراق مهد للثقافات.

لن تسامر العراق بعد اليوم غير طهر اللقاء، لن تسامر غير سؤدد الأحلام التي تجهر بها لتعود ملكة متوجة على عرش العرب.

جاءت خاتمة اللقاء وليس نهايته "رأيت بغداد". عمل فني، حاول أن ينقل الحضور من خلال لوحة فنية إلى فترات كانت مجدا في تاريخ العراق من خلال توصيف للمشهد السياسي العام وللمشهد الثقافي على وجه الخصوص.

بغداد لبست حلة عربية وتزينت لعشاقها، فكانت مرسما جميلا لأطياف من قوس قزح، جسد كل الحضارات المتعاقبة واستعادت في أهداب عينيها حلم عشتار. لن نسمع بعد اليوم عن عراق الدم والدمار ولن نسمع بعد اليوم إلا عن كوثر الأحلام المتجدد في بلاد ما بين النهرين، برسم ثقافي جديد يتجاوز اللوم والخلافات ويجمع العرب تحت قبة الإبداع.

رغم كل (لاءات) اللوم والعتاب لن نقول غير أن بغداد نجحت في احتضان المثقفين العرب والجمع بينهم، رغم غياب بعضهم. هي بغداد تستعيد ملامحها في توليفة ثقافية ستدوم على مدار سنة كاملة.