انتخاب مشعل والقمة العربية والصراع على التمثيل الفلسطيني

فجأة تعلن حركة حماس وخلال وجود قيادتها في القاهرة عن اجتماع مجلس الشورى لاستكمال الانتخابات الداخلية في الحركة وخصوصا انتخاب رئيس المكتب السياسي حيث تم انتخاب السيد خالد مشعل رئيسا للحركة للدورة الخامسة - ترأس المكتب السياسي لأول مرة عام 1996 ومدة الولاية أربعة سنوات - أن يتم عقد اجتماع مجلس الشورى في مصر التي يحكمها الإخوان. وحركة حماس جزء من الإخوان أمر له دلالة ومغزى ليس فقط بالنسبة للرئيس مرسي وجماعة الإخوان في مصر، حيث الرسالة واضحة بأن حركة حماس وبالتالي قطاع غزة بات تحت وصاية مصر وإشرافها، وليس فقط رسالة واضحة ممن يهندس المنطقة في إطار شرق أوسط جديد يقوده الإسلام السياسي المعتدل وكيلا عن واشنطن ونقصد دولة قطر حيث بذلت مصر وقطر جهودا على مشعل وحركة حماس لإعادة مشعل لرئاسة حركة حماس، بل رسالة لنا كفلسطينيين وخصوصا سكان قطاع غزة بأن قطاع غزة تحت حكم حماس بات جزءا من معادلة الشرق الأوسط الجديد الذي سيقوده إسلاميو السلطة، وأن المقر الرئيسي ومصدر اتخاذ القرار الحمساوي أصبح في القاهرة إن لم يكن في المقطم تحديدا، بما يستتبع ذلك تحميل الشعب الفلسطيني وخصوصا فلسطينيو قطاع غزة تداعيات تطور مجريات صراعات إسلاميو السلطة مع معارضيهم في الشرق الأوسط و في مصر على وجه التحديد، وبدفع سكان قطاع غزة اليوم بالفعل ثمن ارتباط حركة حماس بجماعة الإخوان والحكم القائم في مصر.

ليس مصادفة التزامن ما بين الإعلان عن انتخابات حماس وإعادة خالد مشعل المقبول من دول الربيع العربي والغرب وصاحب الدور الرئيس في توقيع الهدنة الأخيرة بين حماس وإسرائيل في قطاع غزة، وقمة الدوحة التي دعت لقمة مصالحة، والخلاف حول التمثيل الفلسطيني والذي لا تترك الدوحة وجامعتها العربية فرصة إلا وتثير الموضوع بشكل مباشر كما تم في البيان النهائي لقمة الدوحة حيث تم تجاهل ذكر منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، والدعوة لقمة عربية للمصالحة الفلسطينية بما تتضمن هذه الدعوة من وجود قيادتين للشعب الفلسطيني في القمة، أو بطريقة غير مباشرة من خلال تمرير القمة لقرار اعتماد المعارضة السورية كبديل عن النظام السوري ممثلا للشعب السوري ثم تسليم سفارة سوريا في الدوحة للمعارضة السورية، وهي سابقة قد تنسحب على الحالة الفلسطينية إن تدارك الأمر بتفاهمات فلسطينية بعيدا عن الحسابات الخارجية.

وفي ظني أن دعوة قطر لقمة مصالحة في القاهرة ليس هدفها إنجاز المصالحة بالمفهوم الذي يريده الفلسطينيون بل التلاعب بالتمثيل الفلسطيني واستكمال مخطط تم الاشتغال عليه طوال سنوات لتجاوز منظمة التحرير والسلطة الوطنية اللتان تم إضعافهما وتفريغهما من مضمونهما الوطني ومحاصرتهم ماليا، على يد إسرائيل والجهات المانحة أجنبية وعربية وعلى يد مسئولين داخل السلطة والمنظمة من خلال سياسات خاطئة ومصالح شخصية. وعليه فإن القمة الموعودة كما هو الشأن بكل اللقاءات السابقة التي جرت خلال السنتين الأخيرتين في القاهرة والدوحة ليس هدفها إنجاز المصالحة الفلسطينية في إطارها الوطني وفي إطار شرعية منظمة التحرير الفلسطينية حتى مع توسيعها وإعادة بنائها، بل تمهيد الطريق لحركة حماس لتنتزع القرار الوطني الفلسطيني والصفة التمثيلية للشعب الفلسطيني من منظمة التحرير لتصبح هي الجهة الرسمية الممثلة للشعب الفلسطيني مدعومة في ذلك بإسلاميي السلطة وقطر وبمباركة أميركية وأوروبية مشروطة لهذا التوجه، وهي شروط باتت تتساقط مع كل مبادرة حسن نية تُقدم عليها حركة حماس منها: توقيع الهدنة بين حماس وإسرائيل بما يعنيه ذلك من وقف المقاومة المسلحة من قطاع غزة بعد أن تم إيقافها بقرار حمساوي في الضفة وداخل الخط الأخضر، قطع العلاقة مع النظام السوري وتقليلها إلى أقصى حد مع إيران وحزب الله، نقل مقر حركة حماس من دمشق إلى القاهرة والدوحة، القبول بسلطة في قطاع غزة وترك القضايا الأخرى إلى اجل غير معلوم الخ.

ندرك جيدا الخلل الكبير في منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية كما ندرك أزمة المشروع الوطني الفلسطيني بعناوينه ونخبه الراهنة، كما نتلمس الحاجة للتغيير بل للثورة على الأوضاع الفلسطينية القائمة، وليس مهما بالنسبة لنا أن يتم التغيير على يد فصائل منظمة التحرير فهذا أمر صعب لأن نخب المنظمة بحد ذاتها سببا في الأزمة ووصلت لدرجة من التكلس يصعب معها القيام بمهام استنهاض الحالة الوطنية، ولكن ما يهم وما يتطلع إليه كل فلسطيني أن يتم إعادة بناء وتفعيل المشروع الوطني في ألإطار الوطني المستقل بعيدا عن الأجندة والمحاور الخارجية التي عانينا منها كثيرا طوال عقود، المهم ألا يتم إلحاق قضيتنا ومشروعنا الوطني بالمشاريع والأجندات التي تُحاك للمنطقة العربية في إطار الشرق الأوسط الجديد، لأن المهام والمتطلبات الوطنية لفلسطين تختلف عن المهام والمتطلبات السياسية للشعوب العربية، فهذه الأخيرة حققت دولتها الوطنية واستقلالها الوطني وتعيش مرحلة دمقرطة المجتمع أو النضال الاجتماعي والسياسي، أو كما يقول البعض مرحلة "أسلمة" المجتمع أو "أخونة" الدولة، أما نحن في فلسطين فما زلنا نعاني من الاحتلال في قطاع غزة والضفة والقدس ومن الوهم بل والسخرية الكبيرة أن يعتقد البعض أننا انهينا مرحلة التحرر الوطني لمجرد وجود سلطة وحكومة ومجلس تشريعي سواء في الضفة أو غزة، فهذه التشكيلات أو المؤسسات السياسية مجرد ملهاة وخداع للنفس، بل ستكون السلطة والصراع عليها مقتل العمل الوطني والعائق أمام مشروع التحرر من الاستعمار.

لأننا في مرحلة التحرر الوطني فنحن بحاجة لمصالحة تجسد المشروع التحرر الوطني التوافقي على مهام مواجهة الاحتلال وليس مصالحة إدارة الانقسام أو الصراع على تمثيل الشعب الفلسطيني، وفي اعتقادي أن الأقدر والأحق بتمثيل الشعب الفلسطيني هو الأقرب لأحاسيس ومتطلبات الشعب بالحرية والتحرر من الاستعمار وهو الأقدر على تمثيل الوطنية الفلسطينية المستقلة ثقافة وهوية وانتماء، وهنا نذكر حركة حماس أنها الوحيدة التي تقول بأنها امتداد لجماعة الإخوان المسلمين وهذا يعني أن القرار عند الأصل وليس بيد الفرع والتابع، هذا قول لا تقوله أية جماعة إسلام سياسي في العالم العربي، بل تمارس هذه الجماعات رؤيتها الإسلامية في الإطار الوطني أو بصيغة أخرى أنها وطَّنت أو قومنت إيديولوجيتها الإسلامية.

ضعف منظمة التحرير والسلطة ورجالاتهما لأسباب مالية وحسابات شخصية أمام دولة قطر والقوى الكبرى التي ترسم معالم الشرق الأوسط الجديد وهو ضعف ينتج عنه ردود فعل باهتة وخجولة، لا يبرر صمت الوطنيين الفلسطينيين لان القضية تتجاوز حسابات الأحزاب وتمس مصير ومستقبل الشعب الفلسطيني برمته.