أيها اليساريون، أعيرونا صمتكم وأقرضونا راياتكم البيضاء لنكفن بها شهداءنا

الامبريالية والصهيونية والثورية والممانعة في خطاب اليسار العربي وتداعياته على موقف اليساريين العجيب من الثورة السورية. هذا التحامل المذهل من أصحاب الخطاب الثوري الذين امتلأت خطاباتهم بهموم الفلاحين والعمال والكادحين لعقود خلت يسلطون اليوم أقلامهم وألسنتهم على الثورة السورية. هذا الخطاب "الثوري" المعادي للثورات العربية يصادفنا عند كل منعطف، ويعكس تناقضات الواقع العربي والدولي الذي كشفته الثورة السورية وأظهرته واضحا بينا للعيان.

كتب صديق افتراضي جمعتني به صفحة التواصل الاجتماعي التي تربطني بآلاف الأصدقاء من مشارق الأرض ومغاربها فقال: "متى كان الغرب الاستعماري الامبريالي حليف الكيان الصهيوني نصيرا لثورات الشعوب؟ هل تحول الغرب الى صديق للعرب وولي للمسلمين؟ ام انكم انتم من تحولتم عن دينكم ومبادئكم؟ كيف تتحول انظمة ملكية مستبدة نصيرة لثورة تحررية؟ على من تضحكون يا طائفيون؟ سني عربي مغربي متابع لابحاثك العلمية الجادة فعلا: اول معرفة لي بك كانت من خلال بحث منشور بمجلة دراسات عربية في التسعينات. واعجبت بك. لكن خيبت ظني بك بانخراطك في هذه الثورة ذات الحبكة الاميركية."

أسئلة مهمة وتناقضات أكيدة تستحق التأمل والتعليق. ولنبدأ في النظر إلى الموضوع من الخارج إلى الداخل، وبتفكيك اللغز من القشرة إلى النواة. لنقل بأن الصراع في سوريا وحول سوريا يشبه في تعقيده وتداخله بنية البصلة، طبقة تلف طبقة وقشرة تحيط بقشرة. القشرة الخارجية تضم الصراع الجيوسياسي بين روسيا والولايات المتحدة حول مناطق النفوذ في الشرق العربي والإسلامي. القشرة التالية باتجاه قلب الصراع تحتوي على الاصطفافات الطائفية بين قوى الإقصاء والتطرف الشيعية والسنية، يليها الاصطفافات القومية والإقليمية المتنازعة على هوية سوريا. ثم يليها طبقة تحركات أصحاب المصالح الخاصة سواء كانت تجارية أو سياسية أو سلطوية أو حزبية أو شللية.

لكن لب الثورة الكبير الذي يتجاوز في حجمه وكتلته الطبقات الرقيقة التي وصفنا آنفا هو جوهر القضية الذي يكاد يختفي تحت هذه الطبقات الخارجية الخلبية المضللة. جوهر الثورة السورية هو تحرك عفوي قاده شباب بعمر الزهور وأحرار بهمة النسور لتأكيد حقهم في حياة حرة كريمة. حياة كريمة لا تخضع لإملاءات ثلة من المفسدين خانوا الأمانة التي حملوها وأهملوا بناء البلاد والتفتوا إلى بناء القصور والثروات الشخصية، وعاثوا في الأرض الفساد تحت غطاء رقيق من دعاوي الممانعة والتصدي للامبريالية والصهيونية.

كنت أعتقد أن اليسار العربي، وخاصة اليسار المغاربي، سيقتنع بأن الأسد وعشيرته عصابة من القتلة والمجرمين بعد أن وجهوا سلاحهم إلى الشعب السوري الذي خرج مطالبا بالحرية والإصلاح. هذا السلاح الذي خزنوه أربعين عاما بدعوى الاعداد لمعركة التحرير، واختيار المكان والزمان المناسبين للرد على العدوان الصهيوني المتكرر على سوريا، يستخدم اليوم للدفاع عن رأس الاستبداد ورمز الطغيان وتدمير البلاد وقتل أبناء الشعب السوري البطل الذي لا يمكن لأي ممانعة أن تقوم بدونه.. ولكن هيهات.

كنت أعتقد أن اليسار العربي قادر على تحليل الوعي الكاذب وفهم أساليب التضليل ومفردات الخطاب الزائف ورؤية حقيقة الدعم الغربي للثورة السورية. الدعم الكلامي والدبلوماسي الذي يفتقد أي مصداقية فعلية أو خطوات عملية.. ولكن هيهات.

أيها المناضلون العرب باسم العمال والفلاحين والكادحين. إن بطل الممانعة الذي أحببتموه يقتل نساء وأطفال وشباب سوريا أمام أنظاركم وعلى مسمع منكم. أسمحوا لي أن اذكركم بأن الامبريالية والصهيونية موضع تنديد واستنكار لأنها تستهين بحقوق الناس وتمنعهم من العيش الكريم. بطلكم الأسد يقترف اليوم من الجرائم ما يند له الجبين، ومن المذابح والتنكيل في حق "شعبه" أو "رعاياه" أضعاف ما ارتكبه أعداء البلاد خلال القرنين الماضيين.

أيها المناضلون من أصحاب اليسار العربي. انزعوا القشور الرقيقة التي يختبئ خلفها النظام لتروا الحقيقة وتستمعوا للرواية الحقيقية. فلربما إن فعلتم لأسمعتمونا اعتراضاتكم على السلوك الامبريالي العدواني لعصابات الأسد. وإن أبيتم إلا الاختفاء وراء أصابعكم فأعيرونا صمتكم ودعوا الشعب السوري وشأنه، أو أقرضونا أعلامكم البيضاء لكي نكفن بها شهداءنا الذين يرسلهم بطلكم إلى بارئهم بالمئات كل يوم.

ويا صديقي الذي خيبت أمله باصطفافي إلى جانب أحرار سوريا ضد طاغيتها، لا أدري أأدعو لك باليقظة من سباتك الثوري الباهت أم بأحلام ثورية خلبية واهمة!