الفرص الضائعة عند الإخوان

يبدو أن جماعة الاخوان المسلمين في مصر متخصصة في ضياع الفرص، فكلما هيأت لها الظروف طاقة أمل للصعود بسلاسة أو الهبوط بكرامة، سعت بكل قوة إلى تفويتها، وكأنها مصرة على الانعزال والحفاظ على مسافة بعيدة عن القوى الأخرى. وهي حكاية بدأت، عقب قيام ثورة يناير- كانون الثاني والجري وراء الاستئثار بالسلطة، وانتهت بأحكام قضائية تبطل قرارات جمهورية. وبين الجري والأحكام تطورات كثيرة، تتعلق بأسس التوافق الوطني وطرق ادارة الحكم وآليات بناء دولة تحترم القانون. وكلها تدور في فلك عنوان واحد هو "فن اضاعة الفرص"، الذي يعتبره البعض ينطوي على فقر في الرشادة السياسية، بينما يراه آخرون دليلا على الرغبة العارمة في الاستحواذ ورفض التعايش والاقصاء وعدم قبول الآخر أصلا، شكلا ومضمونا.

هذه الآفة تمكنت من جسد الإخوان وظهرت معالمها عبر سنوات طويلة، لكن لم يتمعن أو يتوقف عندها كثيرون من قياداتها، بسبب الظروف القاسية التي مرت بها الجماعة، وجعلت غالبية القوى تتعاطف معها، وفي بعض الأحيان تقاتل سياسيا وقانونيا في خندقها. ومع ذلك تنكرت لهؤلاء وألصقت بعدد منهم تهما لا تتناسب مع تاريخهم وسيرتهم النضالية. وكانت نقطة البداية الحقيقية والكاشفة لحظة وصول الرئيس محمد مرسي للسلطة، بعدها بأسابيع قليلة أخذت تظهر بجلاء معالم الصلف والتكبر الكامنة، من خلال القرارات الخاطئة التي كانت تصدر من الرئيس وتجد دفاعا مستميتا من كوادرها. وفي كل مرة يثبت خطأ قرار يتم الالتفاف عليه بطرق مختلفة، حتى وقر في يقين معظم الأحزاب والقوي السياسية أن هناك اتجاها راسخا للاقدام على هذا النوع من السياسات لقطع الطريق على التفاهم والتلاقي.

خلال الأيام الماضية حدثت ثلاثة تطورات مهمة، لو فهمت الجماعة رسائلها العميقة، كان من الممكن تغيير الدفة في أمور كثيرة، لكن لأنها أدمنت الفشل، فقد فاتها قطار الفرص، ولم تحاول حتى اللحاق بعرباته.

الأول، حكم محكمة القضاء الاداري ببطلان قانون الانتخابات ومباشرة الحقوق السياسية، وقبله قرار للمحكمة الدستورية حوى المعنى ذاته. وبدلا من أن تقوم الجماعة بالتفحيص والتمحيص والتشاور مع القوى السياسية المختلفة لوضع قانون صحيح، قررت الرئاسة الطعن من خلال هيئة قضايا الدولة. وفاتت فرصة جاءت للرئيس على طبق من ذهب للخروج من مأزق البطلان. فقد كان من المتصور أن يعيد الأمور إلى نصابها السليم، ويستفيد من هذا التطور لفتح صفحة جديدة مع المعارضة، التي أحد شروطها لدخول الانتخابات البرلمانية القادمة وضع قانون متوازن للانتخابات يراعي مصالح الجميع ولا يتم تفصيله لمصلحة فئة بعينها. وضياع هذه الفرصة تسبب في مشكلتين، احداهما تأكيد قناعة المعارضة بأن الرئيس لا يحترم القضاء ويضرب بأحكامه عرض الحائط، والأخرى تأكيد أن الاخوان لا يبحثون عن التوافق ويصرون على ما يفعلون حتى لو كان باطلا. الأمر الذي يجعل الثقة في تصرفاته وتعهداتهم معدومة.

التطور الثاني، ما أصبح يعرف في الأدبيات المصرية الجديدة بمعركة الجبل أو غزوة المقطم أو حرب السيوف وحرب النجوم وأحيانا بلاط الشهداء.. وكلها أوصاف أطلقت على أعمال العنف التي وقعت بالقرب من المقر الرئيس لجماعة الاخوان المسلمين بحي المقطم في القاهرة، والتي اشتبك فيها شباب الجماعة مع شباب الثورة. وبصرف النظر أن سير الالتحامات ومن بدأها وكيف والتكتيكات التي استخدمت فيها ومستوى ذكاء كل طرف في التعامل مع المسألة، فقد أكدت تحطيم صورة القوة الأمنية التي تملكها الجماعة والمعروفة بميلشيات الاخوان. فهذه هي المرة الثانية (بعد موقعة قصر الاتحادية الأولى) التي تهتز فيها الصورة الأمنية لها وتتكسر أسطورتها، حيث بدا التواضع في الأداء ظاهرا والعقم في التفكير واضحا، في حين كان شباب الثورة أكثر حنكة وقدرة على المناورة، على الرغم من جاهزية واستعداد الطرف الآخر.

هنا كان من المتوقع أن تعيد الجماعة النظر في هذا الطريق وتلجأ إلى التهدئة واطفاء الحريق، من خلال طي هذه الصفحة ومحاولة التأكيد على السلام الذي يتوافق مع روح ثورة يناير. لكن ما حدث شيء آخر؛ شيء امتلأ بالتهديد والوعيد، وتكثيف عمليات استهداف المعارضين. تارة بالاتهام بـ "التآمر والعمالة"، وأخرى بالانتقام من الاخوان.. وهكذا. وارتفع سقف التحريض إلى درجة تحريك دعاوي قضائية ضد عدد من الناشطين، بذرائع، جميعها يرمي إلى تشتيت شمل المعارضة ووضعها تحت مستوى مرتفع من الضغوط السياسية. بما يفيد أن الاخوان يريدون استمرار المباراة ساخنة لأطول فترة ممكنة، وعدم التجاوب مع طموحات تبريدها. وبدلا من أن يخرج قادة الجماعة للاعتراف بالخطأ عند مقرها، أصروا على الامعان فيه فضاعت فرصة جديدة، وفتح المجال أمام اختبارات ربما تكون أشد قسوة، لأن الجيل الذي فجر الثورة متمسك بشعار "النصر أو الشهادة"، بمعنى أن يرحل الإخوان أو يموت هؤلاء.

التطور الثالث، حكم محكمة استئناف القاهرة أخيرا ببطلان تعيين النائب العام المستشار طلعت عبدالله، الذي وضعه في هذا المكان رئيس الجمهورية بموجب اعلان دستوري صدر في 21 نوفمبر- تشرين الثاني الماضي ثم تم الغاؤه لاحقا مع الابقاء على آثاره، وبينها تعيين النائب العام. هذا الحكم كان من الممكن أن يتحول لطاقة أمل لطي الصفحة القاتمة بين الاخوان والمعارضة لو أن الرئيس أعلن التزامه بتنفيذ أحكام القضاء، خاصة أن عزل طلعت عبدالله أحد أهم مطالب المعارضة وغالبية القضاة. لكن ما حدث هو سيناريو مشابه لما حصل مع التطورين السابقين، وجرى التشكيك في الحكم ومحاولة البحث عن مخرج لهذا المأزق. ومهما كان شكل محاولة الابقاء على النائب العام والطرق التي يمكن المضي فيها، دستورية أم سياسية، فهي دليل آخر على العصف بالقانون وعدم احترام أحكام القضاء. وهي أيضا تؤكد هروب فرصة ضمن قائمة طويلة من الفرص التي ذهبت هباء.

الكلام عن وصف الإخوان بأنهم أصحاب الفرص الضائعة بامتياز لم يأت من فراغ، فهناك براهين وأدلة بالجملة. لكن هذا الوصف تحول إلى غاية وهدف عند قيادات الجماعة، ليس فقط لأنها لا تريد التعلم من أخطائها، بل بسبب رغبتها في اقصاء القوى الأخرى واحتكار التحكم في مفاصل الدولة. وهي تخوض معاركها السياسية على طريقة "أكون أو لا أكون"، التي بدأت تظهر لها ارتدادات سلبية على شكل ارتباك وتخبط وسوء ادارة. لذلك يصعب التعويل عليها في مسألة استثمار أية فرصة قادمة.