من يحاسب المانحين على ملياراتهم الموعودة؟

مثال على متابعة جيدة للوعود

دبي - قال آلان دنكان وزير الدولة البريطاني لشؤون التنمية الدولية أن على الجهات الفاعلة الإنسانية والإنمائية تحديد آلية لمساءلة السياسيين عن تعهداتهم بتقديم المساعدات الإنسانية.

وأضاف ان "الوعد لا يتجاوز كونه وعداً حتى يصل إلى البنك. من المثير الحصول على تعهدات لفظية تبرزها عناوين الصحف، لكن من المهم التأكد من ترجمتها إلى أموال على أرض الواقع".

وأعرب دنكان عن فكرته هذه خلال معرض ومؤتمر دبي الدولي للإغاثة والتطوير (ديهاد) الذي عقد في دبي الأسبوع الماضي، قائلاً في خطابه للمشاركين "الشيء الوحيد الذي من شأنه أن يساعد النظام برمته هو إنشاء عملية مقبولة عالمياً يتم بموجبها تسجيل وقياس ورصد وتنفيذ أي تعهد بإنفاق المال، لأنه إذا تمكن السياسي من جذب الاهتمام والثناء عن طريق الوعود، يجب إلزامه بإتباع ذلك بعمل ملموس يحقق الوعد الذي قطعه".

وينبغي الإشارة إلى أن لدى مجتمع المعونة عدداً متزايداً من نظم تتبع إنفاق المال، إلا أن أنظمة تتبع التعهدات قليلة.

الحصول على وعود كتابية

وأفاد دنكان أن أحد النماذج هو عملية تعهد البنك الدولي التي استخدمت في اليمن في العام الماضي، عندما وقعت الدول التي تعهدت مجتمعة بتقديم 8 مليارات دولار في مؤتمرين لإعلان التعهدات على وثيقة تبين مقدار المال الذي تعهدت بتقديمه والغرض الذي سيتم انفاق المال عليه "بحيث يمكن محاسبتها فيما بعد".

وكان وائل زقوت، الذي يرأس مكتب البنك الدولي في اليمن، هو صاحب هذه الفكرة. فقد أنشأ بدعم من الحكومة نظاماً يلزم الجهات المانحة بالاجتماع مع مسؤولين حكوميين كل ثلاثة أشهر -بحضور وسائل الإعلام- لتقديم تقرير عن أربع مجموعات من الأرقام هي: التعهد الأصلي، والمبلغ الذي تمت برمجته (عدد المشاريع التي سيتم تمويلها وقيمتها)، والمبلغ المخصص للبرامج المعتمدة عند توقيع اتفاق مشروع بين جهة مانحة والحكومة، والمبلغ الذي تم صرفه بالفعل. كما تعكف الحكومة اليمنية على تطوير قاعدة بيانات أكثر تفصيلاً لتتبع المشاريع.

وكان الاجتماع الأول من هذا النوع قد عقد في شهر فبراير وانتهى بإعداد قائمة بالجهات المانحة التي لم تنفذ وعودها، ثم تم تقديمها بعد ذلك إلى اجتماع وزراء خارجية مجموعة أصدقاء اليمن.

وقال زقوت "نقوم بالإعلان عن الجهات التي تخلفت عن الالتزام بوعودها (لتشجيعها على القيام بذلك) وهذا أسلوب فعال للغاية".

وأضاف قائلاً "في الماضي، كانت البلدان تقدم تعهدات ولا تنفذها، ولا يحدث بعدها أي شيء". ففي عام 2006، على سبيل المثال، تعهدت الجهات المانحة بتقديم 4 مليارات دولار لليمن، لكن الكثير من هذه الأموال لم يصل قط. وأكد أنه بعد اتباع النهج الجديد، "لن يتم نسيان التعهدات".

وقال أيضاً "يحدوني الأمل في أن يصبح هذا مثالاً يحتذي به المجتمع الدولي في سياقات أخرى".

وتشكو المجموعات التي تتبع شفافية المعونة من أن التعهدات بتقديم مساعدات لا تتحقق بشكل تام على الإطلاق تقريباً. فلم يصل سوى جزء صغير من الـ9 مليارات دولار التي تم التعهد بتقديمها لتمويل التعافي من زلزال هايتي.

وفي أواخر شهر يناير، تعهد المجتمع الدولي بتقديم أكثر من 1.5 مليار دولار في صورة مساعدات إنسانية إلى سوريا، مع ذلك، فإن نسبة تمويل خطط استجابة الأمم المتحدة، التي تحتاج إلى نفس المبلغ، لم تتجاوز الـ30 بالمائة.

وتشمل الوعود الأخرى المقدمة في السنوات الأخيرة، والتي وصفتها منظمة "وان" لمكافحة الفقر بأنها "موضع ترحيب لكنها غامضة"، ما يلي: زيادة قدرها 50 مليار دولار في المساعدات الإنمائية الرسمية العالمية تم التعهد بها في قمة مجموعة الثمانية في غلين إيغلز عام 2005، ومساعدات إنمائية رسمية بقيمة 60 مليار دولار في مجال الصحة تم التعهد بها في قمة مجموعة الثمانية في هيليغندام في عام 2007، و20 مليار دولار لقطاعي الزراعة والأمن الغذائي تم الالتزام بتقديمها في قمة مجموعة الثمانية في لاكويلا عام 2009، ووعود بتقديم 100 مليار دولار لتمويل مشروعات متعلقة بالمناخ في قمة كوبنهاغن للمناخ في ديسمبر 2009.

المبادئ المتفق عليها

قال دانيال كوبارد، مدير الأبحاث والتحليل في منظمة مبادرات التنمية، التي تستخدم بيانات للدعوة إلى تحسين العمل التنموي، أن نقطة البداية الأكثر أهمية هي حشد الدعم لمجموعة من المبادئ المتفق عليها بصفة عامة بشأن كيفية تقديم تعهدات، لاسيما في سياق التحول نحو تعهدات نوعية أكثر من التعهدات الكمية في السنوات الأخيرة.

وأضاف كوبارد ان "نوعية الالتزامات المقدمة لا تزال غامضة ومراوغة للغاية. إن التحدي هو الحصول على الوضوح بشأن الالتزامات المتعهد بها في المقام الأول. هذه هي الأولوية القصوى".

وقد أعدت لجنة المساعدات الإنمائية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة "وان" مبادئ توجيهية لتقديم تعهدات شفافة مع مزيد من الوضوح بشأن التمويل، بما في ذلك: وضع جدول زمني محدد؛ تحديد ما إذا كان التمويل إضافياً، وإذا كان الأمر كذلك ، فما هو خط الأساس؛ وما إذا كان سيتم صرفه بالكامل أو على مدار عدة سنوات؛ وما إذا كان مشروطاً؛ ونتائجه المتوقعة؛ والآلية التي سيتم من خلالها رصد تنفيذ التعهد.

كما تستخدم المنظمة العالمية للنزاهة، التي تدعو إلى شفافية ومساءلة الحكم، معايير سمارت– وهي معايير محددة وقابلة للقياس- لقياس التزامات الحكومات. ويكمن التحدي الآن في حشد تأييد واسع النطاق لهذه المبادئ التوجيهية واستخدامها.

وقد خلق عدم الاتساق والدقة في التعهدات تحديات في رصدها، حتى عندما تكون الآليات متاحة. فعلى سبيل المثال، تحصل مجموعة الثمانية على تقارير منتظمة لمراقبة الوفاء بالتعهدات التي قطعت أثناء مؤتمرات القمة، لكنها تقضي وقتاً أطول في الجدال حول تفسير طبيعة الالتزامات من الوقت المخصص للوفاء فعلياً بتلك الالتزامات. وتكمن المشكلة غالباً في تقديم الالتزامات من قبل السياسيين أولاً، ثم تحاول الوزارات معرفة كيفية تنفيذها، بدلاً من العكس، كما أشار كوبارد.

وبمجرد تقديم تعهدات واضحة، يمكن اتباع طرق عديدة لرصدها، من خلال كل من المجتمع المدني والآليات الرسمية. على سبيل المثال: هيئة عالمية مستقلة، أو آليات محلية ينشئها البرلمان، أو آليات مرتبطة بمؤتمر قمة محدد.

وإحدى هذه الآليات هي الاستعراض المتبادل لفعالية التنمية في أفريقيا وهي تقرير سنوي تعده لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا ومنظمة التعاون والتنمية، يقوم بتقييم التقدم المحقق مقارنة بالالتزامات التي قطعتها الحكومات الأفريقية والمجتمع الدولي. وبهدف دعم هذه الآلية، يقوم موقع "كوميت فور أفريكا" بتوفير قاعدة بيانات يمكن البحث من خلالها عن التعهدات التي قطعت في مؤتمرات القمة الدولية على مدى العقد الماضي أو نحو ذلك (لم يتم تحديث الموقع بسبب نقص التمويل، لكن هناك أمل في إعادة تشغيله قريباً).

وقال كوبارد أن "هذا الفكر يجري تنفيذه بالفعل. وسوف تؤدي المناقشة حول وجود نوع من آلية المساءلة إلى فرض انفتاح وعلانية أكبر بشأن هذه القضايا". (إيرين)