المملكة المغربية... بين زمام المبادرة وانتهاز الفرص في العمق الإفريقي

لعبت التغيرات السياسية والاقتصادية والأمنية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا دورا كبيرا في زيادة اهتمام الأكاديميين ودوائر صنع القرار المغربي بالآليات الكفيلة بإعطاء دفعة أخرى وقوية للعلاقات التاريخية والثقافية والسياسية مع أفريقيا، وخصوصا مع الغرب من جغرافيتها وذلك تماشيا مع واقع العلاقات الدولية المتطورة والتي تتميز بالديناميكية، حيث أن الدول الفاعلة ذات العلاقة تسعى إلى الحفاظ على مصالحها والدفاع عنها وتلعب على تطوير قدرات وإمكانات مواردها والمغرب لن يخرج عن هذا السياق. وقد عرفت سنة 2012 وبداية هذه السنة تحركا دبلوماسيا مغربيا مكثفا على جميع الأصعدة والمستويات السياسية والاقتصادية وأقيمت عدة مؤتمرات تصب في إنعاش الحركة الدبلوماسية والسياسية بتركيبة نشطة حيال موضوعات يتقاطع فيها ما هو إقليمي وما هو دولي وذلك بهدف مواجهة التحديات السياسية والأمنية التي تحيط بالمنطقة.

تأتي زيارة الملك محمد السادس لدول السنغال والغابون وساحل العاج من أجل إعادة التوازن للسياسة الخارجية وإعطاء دفعة جديدة للدبلوماسية المغربية من جديد عبر تفعيل سياسات واستراتيجيات جديدة تتناسب مع مستجدات الواقع الدولي والإقليمي وتحولاته، وتأتي الزيارة الملكية بعد تعيين مجموعة من السفراء في دول متعددة منها باريس والقاهرة العاصمتين المهمتين والمؤثرتين في أوروبا والشرق الأوسط على التوالي. وفي هذا السياق تأتي أهمية العلاقات المغربية مع السنغال والكوت ديفوار والغابون لإعادة تشكيل الأدوار الإقليمية التي يمكن أن يلعبها المغرب في المنطقة وأخذ زمام المبادرة لخلق بيئة مواتية لتعزيز النفوذ السياسي والاقتصادي والثقافي والديني في ظل التوتر الذي تعيشه منطقة غرب إفريقيا بسبب ما يحدث في مالي وتحديات القضية الوطنية الصحراء المغربية.

من أجل توطيد العلاقات السياسية والاقتصادية مع بلدان إفريقيا جنوب الصحراء من خلال تقديم الدعم على الصعيد الاقتصادي تم استثمار رؤوس أموال مغربية في قطاعات حيوية كثيرة ومهمة، حيث تشير الإحصائيات إلى أن حجم استثمارات المغرب فيها تقدر بنحو 400 مليون دولار، تسعى الدبلوماسية المغربية إلى تعزيز هذا الحضور الاقتصادي وخلق آفاق جديدة للمسارات والفرص الاقتصادية. وتمثل مجموعة التجاري "وفا بنك" مثالا على نجاح هذه الدبلوماسية الاقتصادية في السوق السنغالي٬ هذه المجموعة التي أنشأت في سنة 2008 فرعا محليا تابعا لها بعد اندماج بين البنك السنغالي (المجموعة البنكية لإفريقيا الغربية) والفرع المغربي (التجاري "وفا بنك" السنغال)٬ لتصبح أول مجموعة بنكية في السنغال ونموذجا ناجحا في منطقة غرب إفريقيا تعمل على تطوير التعاون بين المغرب والسنغال في مجال المبادلات التجارية والاستثمارات.

من هنا يأتي إدراك المملكة المغربية أهمية الأطراف الفاعلة في الواقع الجديد اقتصاديا وسياسيا ودينيا وثقافيا في ظل بيئة دولية لا يحكمها إلا منطق التنافس والصراع والذي يتحول بدوره إلى سياسات متفاعلة إيجابا وسلبا، مما يعطيها الأولوية لحماية حدودها ومكتسباتها والعمل على تحقيق مصالحها واستراتيجياتها متسلحة بامتلاك القوة الاقتصادية والسياسية والأمنية والسعي الدائم إلى تعزيزها إلى أبعد مدى ممكن في إطار شرعي يخدم السلم والأمن الدوليين.

إن المحددات الأمنية لها دور أساسي في تشكيل معالم السياسية الخارجية المغربية وذلك للتعامل مع كافة التهديدات التي يمكن أن تؤثر على سلامة الأمن والاستقرار الداخلي ومستقبل المملكة المغربية واستثماراتها السياسية والاقتصادية في المنطقة المغاربية والإفريقية بما قد يخدم المصالح والسياسات المناوئة والمتربصة. هذا ما دفع صناع القرار المغربي للانخراط في تفاعلات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وغربها، وقد تأسست هذه القناعة على الخبرة المغربية المتراكمة دبلوماسيا ومشاركتها عسكريا بجنود القبعات الزرق المغاربة في حفظ الأمن في مناطق التوتر في الداخل الإفريقي أو خارج هذه المنطقة تحت غطاء منظمة الأمم المتحدة. ولنا مثال شاهد في ساحل العاج حيث يؤكد الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة هناك ألبير جيرار كونديس «بأن جنود القبعات الزرق المغاربة برهنوا على قدرات الجنود المغاربة على التأقلم مع الظروف الصعبة مخاطرين بسلامتهم الجسمانية ومن دون تناسي أن وجودهم في هذا البلد هو أولا لأهداف السلام». هذه البعثة العسكرية المغربية لم تَحِدْ عن التزامها المتين بالحفاظ على المكتسبات في مجال الأمن والدعم الإنساني والنهوض بالسلام بين الأفرقاء المتقاتلين، والمساهمة في لعب الدور الاستراتيجي الفعال على المدى البعيد في تشكيل والمحافظة على السلوك المتحضر في التعامل مع تحديات زرع وتثبيت الثقة من اجل اكتساب احترام السكان المحليين، وهذا ما جعل البعثة تعمل على الاستجابة لمختلف الطلبات المرتبطة بالخدمات اللوجستية والطبية والمدرسية وغيرها التي لها علاقة بالحياة اليومية للسكان والسلطات.

لا شك أن الصراع بين عدد من البلدان المتنافسة على النفوذ الجيوسياسي داخل القارة الإفريقية على وجه العموم لم يغب على صانعي السياسات الخارجية بالمملكة، والأكيد أن العلاقات الثقافية والدينية والاقتصادية والسياسية بين المغرب ودول إفريقيا جنوبي الصحراء ليست طارئة وإنما سيناريوهاتها بدأت منذ أمد بعيد وبتعاقب الأسر الحاكمة عليه،مما أعطى أولوية خاصة لتعامل للمملكة المغربية ومسؤولياته بهذه الرقعة الجغرافية التي تشكل بعدا حيويا واستراتيجيا مهما. ويعتبر الإسلام داخل دول جنوب الصحراء وغربها كان منطلقه من المغرب الأقصى عبر الصحراء مما يعطي التأثير المغربي على المستوى الثقافي والديني مرجعا أساسيا كانت النخبة في هذه البلدان غالبا ما تتأثر وتؤثر أيضا في إخصاب الحياة الثقافية والفقهية المتبادلة المغربية الإفريقية. ونضرب المثال بمجال التصوف المغربي وتأثيراته العميقة في الحياة الدينية والسياسية ودور كتاب "الشفا" للقاضي عياض بن موسى (ت. 1149م) في دعم الثقافة العربية الإسلامية في إفريقيا الغربية كان متداولا في حلقات الدرس بتمبكتو منذ القرن 14م، كما كانت قراءته في الأعياد والمناسبات الدينية. هذا ما يؤكد على تجذر تاريخ الثقافة المغربية الإسلامية بإفريقيا على العموم، فقد كانت المصنفات المغربية ـ في جل العلوم السائدة وقتئذ ـ رائجة ومعتمدة في مناهج التدريس وحلقات العلم بالمنطقة، كما أن أسماء العلماء والفقهاء المغاربة كانت تتردد في المؤلفات المختلفة مما يؤكد مكانتها علميا وفقهيا وفي ميدان التصوف.

في هذا السياق الديني وما لهذا البعد من أهمية كبيرة كمحدد امني داخليا وخارجي ما يمكن أن يلعبه خارجيا في كبح انتشار التطرف والإرهاب، وعندما نرجع إلى زيارة الملك محمد السادس إلى السنغال بداية، نلاحظ بروتوكوليا أنها جاءت في يوم الجمعة باعتباره يوما له اعتبار عند المسلمين بمختلف مشاربهم ومذاهبهم، ومباشرة بعد صلاته الجمعة بالمدينة العلمية والثقافية "فاس" والحارسة الأمينة للمذهب السني المالكي الذي ارتضاه المغاربة عبر أجيال مختلفة وما تمثله جامعة القرويين في هذا الصدد وذلك للتأكيد على بُعْد إمارة المؤمنين وما للدين الإسلامي في إفريقيا من أهمية. فالمشاكل التي تواجه الإسلام في أفريقيا عديدة ومتنوعة جدا ومنها الحملة التبشيرية لتنصيرها معتمدة على وسائل وإمكانات مادية وتعليمية وطبية وحتى سياسية هائلة، وهذا ما دعا المملكة المغربية المساهمة مع السلطات المحلية إلى أخذ التدابير اللازمة لمساعدتها على مقاومة هذا التغلغل في مجال الخدمات الاجتماعية ومراكز طبية وحتى مستشفيات نظراً لحالة البؤس العام التي تعيشها أفريقيا ودول الجنوب بوجه خاص والتي من الممكن أن تكون مرتعا لمجموعة من الأمراض الجسدية والفكرية ستكون وبالا على المنطقة ومصالح المغرب. ويأتي الاستثمار المغربي في منطقة غرب إفريقيا وجنوبها في المجالات المختلفة ضرورة إستراتيجية وذلك ما سوف ينعكس في المواقف الايجابية وخدمة المصالح المشتركة والدفاع على وحدة هذه الدول جغرافيا ودينيا وثقافيا داخل إطار الاتحاد الإفريقي المطلوب منه إعادة النظر في هيكلته سياسيا واقتصاديا وامنيا.

لا يمكن في هذا الإطار تجاهل السياسة الإيرانية في المنطقة الإفريقية وطموحاتها التوسعية سواء في صورته الاقتصادية أو في بعده المذهبي من خلال المنظمات والهيئات والمراكز الثقافية والمشاريع الاقتصادية وعملها الدبلوماسي، وذلك لما تزخر به القارة من المواد الخام والأسواق الجديدة والواعدة للصادرات الإيرانية من اجل التخلص من إرهاق الحصار الاقتصادي الذي تتعرض له إيران بسبب برنامجها النووي. فآفاق الاستثمار والتجارة في منطقة غرب إفريقيا كبيرة وهذا ما تسعى إليه طهران بتنسيق السياسات الاقتصادية مع دول هذه المنطقة وعينها على القطن والذهب الذي تنتجه دولة مالي، والبحث في الاستثمار في قطاعات الزراعة والطاقة والكهرباء في السنغال.

في الأخير لابد من التذكير بأن القارة الإفريقية تزخر بمخزون هائل من الثروات يؤهلها لأن تكون المورد الأساسي لصناعات العالم في المستقبل القريب، والمملكة المغربية واعية بهذا التحدي وهذه الفرصة ولهذا سعت الدبلوماسية المغربية تجاريا وسياسيا وثقافيا في تقوية نفوذها والعمل على التخلص من الضغوطات الممارسة عليها في قضيتها المحورية الصحراء المغربية، وقد أوضحت المملكة الكثير من أدبيات سياساتها المتمثلة في عدم التدخل في شؤون الغير والمساهمة في السلم والأمن الدوليين والدفاع عن القضايا العادلة.