كيف تقف روسيا مع الأسد بعد كل هذا

لماذا روسيا التي يجري في شريانها دماء حرية اختيار رأس الدولة ورئيس الوزراء حتى الكرملين، تقف حجر عثرة في طريق حلم الشعب السوري بناء دولة مدنية ديمقراطية، ينتخب فيها المواطن حاكمه عبر صناديق شفافة؟ هكذا سألني أحد الأصدقاء.

سؤال مشروع، يفرض نفسه على ساحة الضمير، ويطرق بقوة على باب المبادئ الإنسانية ليستيقظ الرأي العام العالمي من سباته العميق. كم منا توقف برهة وسأل نفسه هذا السؤال: لماذا صنعت روسيا من قوتها جدارا يمنع طائر الثوار والشعب السوري من العبور إلى أرض الأحلام لغرس بذور الحرية والديمقراطية لتنمو شجرة من فصيلة بستان الربيع العربي؟

كيف ارتضت روسيا لنفسها أن تقف في خندق النظام الفاسد المستبد، وتقوم بإمداد بشار الأسد وجيشه بالسلاح والعتاد والمعلومات، وتدافع عنه باستماتة في المحافل الدولية، وتستخدم حق الفيتو ثلاث مرات لإجهاض أي قرار يدين الأسد في مجلس الأمن، حتى عرقلة مساعي نقل الملف إلى محكمة الجنايات الدولية كجرائم ضد الإنسانية، وكأنها لا تتراقص إلا على أشلاء الضحايا وتشريد الملايين من السوريين، وخراب ودمار مقدراته وانهيار البنية التحتية، وتدهور النظام الإقتصادي والمعيشي للشعب؟

على أي شيء تراهن روسيا في دعمها اللامحدود لنظام الأسد؟ ألا يكفيها رهانها على الجياد الخاسرة في أنظمة هوت عروشها كما حدث في ليبيا واليمن، وقبل هذا وذاك تظل تحمل على كتفيها وزر توريط مصر في حرب 1967، حيث خدعت الرئيس عبدالناصر وأقنعته بالدخول في حرب مع إسرائيل فقدت مصر على أثرها سيناء وبعض المدن العربية كالقدس والجولان والضفة الغربية.

ما سر نسيان أو محاولة تناسي روسيا وحلفائها ما فعله نظام بشار الاسد ومن قبله أبوه مع الفلسطينيين لبنان، ومازالت مجزرة حماة التي راح ضحيتها قرابة الأربعين ألف مواطن في الثمانينيات من القرن المنصرم، وكذا مهاجمة نظام الأب للرئيس عرفات في الأمم المتحدة سنة 1974م، والتدخل في الشأن اللبناني في محاولة لسلب قراره السياسي، والتورط في موجة من الاغتيالات ضد عدد من القيادات السياسية مثل بشير الجميل ورنية معوض وكمال جنبلاط وسمير قصير وغسان تويني ورئيس وزراء لبنان رفيق الحريري وآخرها وسام الحسن، أضف إلى ذلك تورط نظام الأسد في دفع حسن نصرالله للقيام بمغامرة في الجنوب اللبناني ضد إسرائيل خلال حرب تموز 2006م حيث نفذ عملية إختطاف الجندي الإسرائيلي، وما خلفته هذه العملية من دمار هائل أضر بالإقتصاد اللبناني الذي خسر آنذاك أكثر من 7 مليار دولار.

إلى متى تظل روسيا ترتدي قناع الديمقراطية وفي الوقت ذاته تضع يدها في يد نظام الأسد الملوثة يديه في مؤامرة إسقاط حكومة سعد الحريري المنتخبة شرعيا في عام 2009م، بعد أن تنصل من اتفاقية الدوحة التي تعهد فيها بعدم تعطيلها وعدم الضلوع في الاغتيالات التي اعتاد عليها، ليعيد إلى الأذهان ذكرى المتفجرات التي أرسلها بشار مع الوزير اللبناني، والمعروفة بقضية مملوك سماحة الذي كان منوطا به تفجير الأماكن السنية والمسيحية لزرع فتيل فتنة في لبنان، ضمن قائمة تهديدات اسهدفت قوى 14 آذار ومفتي طرابلس، الذي اضطر للهروب إلى باريس، كما تورط في تعطيل إتفاقية (س س) بين سوريا والسعودية، التي كانت تعد فيما يشبه طائف أخرى لنقل لبنان إلى مرحلة ديمقراطية جديدة، وهو الذي أرسل القاعدة إلى العراق لتنفيذ سلسلة من التفجيرات، وقد أعترف المالكي رئيس وزراء العراق وهو الحليف الإستراتيجي لإيران بذلك صراحة بأن الأسد ونظامه هو الذي أرسل السيارات المفخخة لقتل الشعب العراقي.

الأسئلة الكثيرة الحائرة في أمر روسيا، جعل مقارنتها مع كل الولايات المتحدة الأمريكية يفرض نفسه.. فرغم مساوئ الإدارة الأمريكية على المستوى الدولي، واهتمامها بالحفاظ على مصالحها الدولية، حتى أنه لايمكن تبرئتها من كثير من المآسي الإنسانية، ووجودها كضلع فاعل وشريك أساسي في كثير من الحروب في العالم، إلا أنه على الجانب الآخر لها بصمات إيجابية في دعم الديمقراطيات بالعالم، ولتفعيل ذلك قامت بتخصيص ملايين الدولارات لدعم المراكز والمجتمعات للتحول الديمقراطي، كما قامت بعد أحداث 11 سبتمبر بالضغط على الحكومات العربية من أجل الإصلاح ومنح المرأة حقوقها ودمج الأحزاب والتيارات الإسلامية في اللعبة الديمقراطية ورعايتها لكثير من الاتفاقيات العربية الإسرائيلة ودخولها كضامن في اتفاقية أسلو ووادي عربة وكامب ديفيد، وهي لاتخفي علاقتها القوية بإسرائيل.

ولاشك أنه يصعب بالتأكيد نسيان مواقف أمريكا في إعطاء الظهر لحكام ثورات الربيع العربي، والوقوف بجانب الشعوب في تقرير مصيرها، وهذا ما حدث في ثورة مصر، تونس، اليمن وليبيا، بل وكانت سندا حقيقيا لنقل السلطة إلى حكومات مدنية منتخبة من الشعب، كما كانت من قبل بجانب الشعب اللبناني من أجل طرد القوات السورية التي ظلت ثلاثة عقود مهيمنة على لبنان، ساندت ثورة الأرز عام 2005م في لبنان بالتعاون مع الفرنسيين والسعودية، وكان لها دورا في إقرار المحاكمة الدولية لمحاكمة قتلة رفيق الحريري.

من هنا تحتاج روسيا مراجعة مواقفها الداعمة للأنظمة المستبدة، والشواهد على ذلك كثيرة، بداية من صدام حسين ومرورا بالقذافي وصولا إلى بشار الأسد، لأنه لا يمكن أن تتصرف الخارجية الروسية هكذا، في ظل وجود رجل محنك كشخصية سيرغي لافروف الذي عمل في مجلس الأمن وله علاقات واسعة وله من الدهاء السياسي في كافة الأمور.

على روسيا أن تعرف وتدرك قبل أي وقت مضى كيف وقف العرب في مواجهة الامتداد العثماني، وكيف نجح أردوغان في إدارة سياسة تركيا الخارجية حتى أصبح لاعبا فاعلا ومقبولا من كل الأطراف في منطقة الشرق الأوسط، وأثر ذلك على جذب الاستثمارات لتركيا وتوقيع الكثير من العقود في منطقة الخليج، حتى أوروبا التي لها في أذهان الشعوب العربية ذكريات استعمارية مؤلمة، وبدأت تنتهج طريق لإدارة مصالحها مع الدول العربية.

وعلى روسيا أن تتفادى السخط المتزايد من الشعوب العربية والإسلامية بسبب دورها في القضية السورية ومن قبلها الليبية، ولعل أبرز تجسيد لذلك كان موقف خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز الذي رفض استقبال وزير خارجية روسيا في الفترة السابقة كامتعاض على تصرف الروس تجاه قضايا منطقة الشرق الأوسط، وضرورة أن تراجع تصرفاتها خاصة في دعمها للمشروع النووي الإيراني والتوقف عن دعم الحوثين في اليمن بالسلاح، والذي أصبح يهدد الأمن والسلم الأهلي.

كم حاولت استرجاع الذاكرة فلم أجد هناك مشروعا تنمويآ أو فكريآ أو ثقافيآ أو دعما للحريات أقدمت عليه الحكومة الروسية ودعمته، وكأنها لاتعلم أن بقاء مصلحتها مع الشعوب وليس مع الحكام، ولو أعادت روسيا قراءة تاريخ ثورتها التي قامت سنة 1917م سقط بها 13 مليون روسي من أجل الحرية، لأدركت على الفور الدور المنوط بها في دعم الحريات والديمقراطية التي تطالب بها الشعوب العربية وتحريرها من الطغيان والظلم. ماذا ستقول الحكومة الروسية لشعبها الذي انتخبها وهي تشارك بشار الذي قتل أكثر من 70 ألف من شعبه وقام بتشريد الملايين من البشر، وكأنها تتعلم من خسارتها من الدرس الليبي واليمني ؟ لماذا تستكثر على الشعب السوري تحديد

مصيرها ؟ وبماذا سوف تبرر روسيا إمداداتها للحكومة السورية بالسلاح والمال والطيارين والمعلومات؟ ولم تكتف بذلك بل رهنت قرار سوريا ومصيرها السياسي بيدها وأصبح المتحدث الرسمي باسم الحكومة السورية سيرغي لافروف وزير خارجية روسية؟ إن تضارب تصريحات بوتين وسيروغروف ورئيس الوزراء دليل على ارتباك الحكومة الروسية والضبابية التي تسود المشهد السياسي.

ورغم أن إسقاط اتفاقية جنيف على الوضع السوري، ينص على إنتقال السلطة إلى حكومة انتقالية بدون وجود الأسد لها كافة الصلاحيات، إلا أنه بحسب فهم روسيا فإن اتفاقية جنيف تطبق بإنتقال الصلاحيات للحكومة المؤقتة ويبقي الأسد مع إمكانية ترشيح نفسه في الانتخابات المقبلة إذا أراد سنة 2014م وتغفل أن الثورة السورية هي ثورة شعب أراد التحرر والتخلص من براثن الاحتلال الإيراني لسوريا طوال حكم الأسد الأب والإبن.

ولعل يحضرني في خاتمة حديثي مقولة الأديب اليوناني سوفوكليس: كلما زاد عدد الأمور التي يخجل منها الإنسان، كان أقرب إلى الكمال! فأين الروس من هذا الكلام؟ فمتى تتحرك المشاعر الإنسانية لروسيا؟