زياد السالم: أثر الفراشة يخلب لبي

المواقع هي التي تزورني وتطوف حولي ثم تمضي

ينتهز حالته الشعرية بفضاء من اللغة، التي تنقل القارئ إلى أسطورة يجيد خلقها، زياد السالم شاعر يحتفي بالغرابة التي هي ديباجة "الحلم" ونهايته..، يراوغ العالم بإسقاطاته التي قد تخدش من لا يجيد الغوص.. يؤمن بالتغيير سواء على مستوى النص أو الإنسان.

زياد السالم مفكر وأديب شاب يحمل رؤية ثقافية مغايرة، تحمل عمقا وثراء يأتي من عمق مسقط رأسه مدينة دومة الجندل – الجوف، المدينة التاريخية العريقة الضاربة في عمق التاريخ، حيث أقدم مئذنة في تاريخ الاسلام، في مسجد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وحيث قلعة مارد قصر الأكيدر الذي تعجب الصحابة من بردته التي أهداها للنبي صلى الله عليه وسلم والتي جاء منها بشر بن عبدالملك معلم القراءة والكتابة لأهل مكة قبل الاسلام.

يقول السالم إن الأحداث السياسية والثورات لا تصنع بالضرورة إبداعاً مختلفاً في علم الفوضى، ونظريات الكايوس، فخفقة خفيفة من جناح فراشة في ماليزيا تتسبب بإحداث عواصف مدمرة في الجزء البعيد من الكرة الأرضية، وعليه فإن أثر الفراشة يخلب لبي أكثر ألف مرة من هياج ألف ثوري. وهو يرى أن ثمة أبعاد لا مرئية تستحق التدبر والاستبصار، كما أن الشاعر النجم الذي يمتلك أثراً وصوتاً ورائحة انتهى مع انتهاء عصر الوراقين.

وبنرجسية لا تناقض جمال الشاعر وبساطته يقول: "أنا أشتغل ذهنياً ومنذ سنوات على عمل معين يملك الروح المقطرة للشعر دون أن يكون شعراً. بدأت قبل ستة أشهر بوضع المخطط العام للكتاب وتوزيع فصوله وخطة البحث. الكتاب نادر في موضوعه ولم يُقدم ما يناظره في المكتبة العربية" .

ويضيف: "لقد قمت باستقصاء ومتابعة جادّين مني على مستوى ما يكتبه الجيل الهلامي الذي لم تتضح ملامحه بعد. ولحسن الحظ العمل الذي أنا بصدده أشدّ باطنية ونأياً مما تصورت .. أهجس أن يكون فاتحةً لقرن جديد"، وفيما يلي نص الحوار :

• "المضاف إلى نفسه"، "حصة آدم من النار" مجموعتان شعريتان، بالإضافة لمجموعتك القصصية "وجوه تمحوها العزلة"، هذا حصاد مشوارك الإبداعي، هل قرأت علينا أسطرا في هذا الاتجاه؟

ـ مشبوهون في خلوة مع الآلهة. يتوزعون بين النار والريح. الرمادُ في حدقاتهم وإبر من الضوء تحت شارتهم ترعى حريراً يبرق في الدار الصاعقة تتدحرج حتى مساقطهم غير أنها ترتد زهرة تسكن خراب البحر؛ هم الشعراء يرمون جواهرهم في النهر فينزف الحديدُ بين أيديهم سلالة من الدم المهول, يرتلون مزاميرهم في المرافئ والغابات تحت قرع النحاس. هم رفقاء الأباريق يتشربون اللون ليهطلوا في الورد. يفلتون الغيمة في الليل والضحى غير مكترثين بأعطال الظهيرة. ترتفع معهم يد النائم لتخبط السماء. عين الوحش تستل نعاسها من فتيان يافعين يربون إناثهم وطواويسهم في الظل.

هم ليسوا من هذا المكان, ولا من مكان آخر، إنهم مجانين الجنة, سقطوا سهواً في التضاريس, إذ كانوا يلعبون على الأرائك ويتراشقون بالرمان. أدخلوا السراب الماكر للفراديس السرية شرق العرش, أدخلوه على هيئة ضيف قليل الشأن, كي يسرق لهم الأسرار والاستعارات .سقطوا على الطريق ممتحنين بالطمث والمعنى، الشعراء يشعلون أرواحهم ويخلعون عنهم كمين الماء .إنهم يهيئون المعدن القادم للهباء.

• منعت دائرة الرقابة الأردنية للمطبوعات من نشر كتاب تحت عنوان "حصة آدم من النار" للكاتب والشاعر السعودي زياد بن عبدالكريم السالم وذلك بعد صدوره من دار أزمنة للنشر والتوزيع في العاصمة الأردنية عمان، منذ زمن وبهذه الصيغة كنت قد قرأت هذا الخبر، ما كان سر هذا المنع؟

ـ الكتاب لم يعد ممنوعاً, لقد فُسح قبل عامين في الأردن، وكذلك في السعودية، الأنطولوجيا الشعرية التي أشرفت عليها وزارة الثقافة وصدرت باللغتين الإنجليزية والعربية تضمنت نصوصاً من كتاب "حصة آدم من النار". أما أسباب المنع فيبدو أنها تعود لخلافات بين الرقابة والناشر وإلياس فركوح .

• "غرباء لم يتوقفوا عن الرمي والمطر/ يتأبّطون خرائطهم الغامضة ويمضون مسرعين/ على صدورهم يلمع حبرُ البراري/ إنهم الحشرات السريّة للطريق".. "على ظلالنا حطّتْ طيورٌ شرسة ذات أعراف حمراء/ يطفح من رقصها مرحٌ أسود دفعَنَا إلى الدوّامة/ كنّا نتعثّر بالشيبِ والخطأ وينزفُ منّا الصّديد"، هذا مقطع من نص شعري لك، يمور بقلق الشاعر الذي يريد خلق أسطورته التي تنحاز إلى عالمه، هل تشترط أنت لكتابة النص الجديد حضور هذا البعد؟

ـ الشاعر طفل وثني يحمل في داخله شرارة الآلهة وروح الحشرة, يتمتع بقدرة هائلة على ابتكار مظهر طارئ ومؤقت، ثم لا يلبث أن يولد حضوراً مغايراً يقوم على حركة توليد الفوارق والانفصال بجمال وشراسة عن هيئة راسخة ذات طبيعة جبرية، فالكائن الذي لا يختلف عن نفسه ولا يقدر على إنجاز قفزة باتجاه المجهول وكثرة الأشكال, هذا ليس كائناً وإنما مجرد حجر! الأسطورة يا صديقي تحرّر كائن الأعماق وتقوم بتوسيع مادة الكينونة, شريطة أن تكون مترحلة ضمن قانون الإزاحة والقابلية للانقلاب، ألا ترى أن المجالات الجديدة للعلم تعمل فراغات وتشظيات تتصادى مع منحنيات الأسطورة؟

ـ إذا نزعنا عن الإنسان اسمه ووظيفته التاريخية, سيعود غريباً وملغزاً مثل ثقب أسود! هذا ما أسعى إلى ملامسته أو أكاد أتلمسه في قصيدة النثر والفنون البصرية.

• ما الأثر الذي قد تتركه التغيرات السياسية والاقتصادية في العالم العربي على شكل ومضمون الخطاب الإبداعي؟

ـ لا يعنيني هذا الأثر الآني والمباشر, أنا لست مواطناً عربياً, بل أحاول أن أكون مواطناً كونياً, ومن هنا أعزز جدلية التقارب والتباعد, لا بد من عبور المحرق الجبري والانخراط في مسارات العالم كي نكون! بصراحة لا تغريني ثورات الجماهير, ولا يجذب انتباهي مصير التأثر السياسي، بل بالعكس أجد جاذبية على مستوى التأمل في مسلك الجاسوس وازدواجيتة في العمق, المسالك الغريبة والمآزق الأكثر حرجاً هي التي تولد الأسئلة, حقل السياسة هو حقل النقائض والمفارقات بامتياز, والحدث السياسي مفكك وسائل لا تستطيع القبض عليه.

وبالعودة إلى سؤالك عن الأثر على شكل ومضمون الخطاب الإبداعي, بوسعي أن أقدم جواباً في أفق انتظار القارئ وتوقعه, لكنني لن أفعل! إذ أرى أن المبدع الحقيقي يملك فائضاً من الانحراف الجذري عبر تدمير سلالة الأسئلة المتشابهة بغرض البحث عن مناطق غير مطروقة, الأحداث السياسية والثورات لا تصنع بالضرورة إبداعاً مختلفاً في علم الفوضى، ونظريات الكايوس، خفقة خفيفة من جناح فراشة في ماليزيا تتسبب بإحداث عواصف مدمرة في الجزء البعيد من الكرة الأرضية، وعليه فإن أثر الفراشة يخلب لبي أكثر ألف مرة من هياج ألف ثوري, أود أن أقول: ثمة أبعاد لا مرئية تستحق التدبر والاستبصار.

من جهة أخرى وفي السياق نفسه الثورة أو التغيير السياسي الذي تشير إليه, يحققان مفهوم الحركة ويقومان بتوطين تجارب ذات عناصر جديدة في الفضاء العربي, الحركة هي تحول نحو فسحة هائلة من اللامتناهي، إذاً ثمة مكونات تحمل طابع الحلم والمفاجأة آخذة في التحقق. أيضاً ثمة نقطة مضيئة على مستوى الثورة تستحق الانتباه ألا وهي: المشهدية .وهي في انبثاقها اليومي تفجر نظام الكينونة التقييدية, وتخلق مجالاً مضاداً للساكن والمألوف والراكد, المشهدية تدمر منطق الواقعة. هذه المفهومات والأطر الجديدة لا ريب أنها ستغير شروط وكيفيات النص الجمالي.

• هناك تصنيف يقيم الساحات الشعرية من بلد إلى آخر.. فمثلا هناك شعراء يصنفون ساحاتهم بأنها الأكثر تألقا وجدية، كيف تقيم أنت الساحة الشعرية السعودية؟

ـ لم يعد الحديث مجدياً عن الساحة الشعرية السعودية أو العراقية.. إلخ، أو المشهد الثقافي، لقد تغيرت الموازنة في زمن الإعلام الجديد في العقود الماضية، كان بوسعنا أن نضع خارطة للساحة الشعرية أو المشهد الثقافي من خلال أسماء ورموز معينة، وكان بوسعنا أن نحصي اللاعبين الذين اختفوا والذين باشروا اللعب. أما الآن فنحن لا نستطيع أن نتحدث عن المتن والهامش في المشهد الثقافي, إذ من الممكن أن يكون (المتن) هامشاً محدوداً, وما نظنه هامشاً هو المتن الأكثر ثراءً في فضاء النت، بمعنى أكثر وضوحاً النخب والأسماء القديمة السريحي, الغذامي والعلي والبازعي وعبده خال والصيخان ورجاء عالم ومحمد العباس وجاسم الصحيح, وأحمد الملا .... إلخ، هؤلاء باتوا يتامى مشردين من أهل الهامش أو على الأقل هم في طور ذلك, حين تشاهد خفة الغذامي وتهافته ومكر السريحي وأقنعته على التويتر تشعر بالشفقة عليهما، ثمة نجوم مضيئة وثمة نجوم منطفئة ميتة, حين يموت النجم يتحول إلى هوة سوداء فارغة تمتص الضوء دون أن تقدر على توليده. جميع رموز المشهد في طريقهم إلى المحرقة الصامتة وهم أول من يستشعر ذلك!

• كيف ترى قراءة النقاد لقصيدتك؟

أنا لا أهدي كتبي على النقاد ما عدا الأصدقاء منهم, هناك دراسات وقراءات تناولت "المضاف إلى نفسه"، و"حصة آدم"، وقاربت مواطن الجمال وأسرار الشعر في كلا العملين مثل الناقدة فاطمة الوهيبي, ومحمد الحرز وعبد الله السفر والرائعة مليحة شهاب, بالإضافة إلى مقاربات جمالية من المبدعين والشعراء المعنيين بقصيدة النثر والنص الجديد.. قبل أشهر هاتفني الصديق المفكر اللبناني سامي أدهم معبراً عن دهشته ومفاجأته بـ "حصة آدم من النار"، وأخبرني أنه بصدد دراسته من ناحية فلسفية فرجوته ألا يفعل, بعد أن أشرت إليه أن الكتاب أصبح بالنسبة إلي جثة مضيئة ليس إلا.. لا سيما مع تغير حساسيتي واهتماماتي ومزاجي في الآونة الأخيرة .

• متى تكتب القصيدة؟

ـ منذ سنوات لم أكتب نصاً شعرياً واحداً , لكني أصبحت (أسكن العالم شعرياً) هذه جملة ذهبية لأحد عمالقة العالم، ومن فرط إجلالي وعشقي له لن أذكر اسمه.. كنت أكتب القصيدة سابقاً حينما أجسُ وجهاً يرتجف بين ماء الأنثى وحلم الحيوان, أكتبها في تلك الساعة الغامضة لحظة إذ أختبر الحيوان النادر وهو يطوي المسافة متوجهاً نحو الفردوس.

• في حوار لي مع سعدي يوسف سألته عن ظهور مصطلح "شعر وشعراء النت"، وهل سيكون ملاذاً للقصيدة وبخصائص فنية مغايرة، قال: "المصطلح معقول، إنه ينقلنا من الخيمة إلى الفضاء"، ماذا تقول أنت؟

ـ الشاعر النجم الذي يمتلك أثراً وصوتاً ورائحة انتهى مع انتهاء عصر الوراقين، أما شعراء النت فهم أكثر مشابهة بالشهب تمر بصورة خاطفة دون أن تترك أثراً, الفضاء الافتراضي يعمل على استراتيجية المحو اليومي للأثر في هذا العصر لن يترك أثراً إلا من لديه طاقة نوعية جدّ خاصة قادرة على الإشارة إشارة راجحة إلى روح العالم، إنها طاقة كائن استثنائي يعبر جسر إينشتاين الوردي بلا وجل.

المصطلح معقول إنه ينقلنا من الخيمة إلى الفضاء .. إلى ملاعب العراء والعدم.

* ما جديدك؟

ـ هذا سر .. أنا أشتغل ذهنياً ومنذ سنوات على عمل معين يملك الروح المقطرة للشعر دون أن يكون شعراً. بدأت قبل ستة أشهر بوضع المخطط العام للكتاب وتوزيع فصوله وخطة البحث. الكتاب نادر في موضوعه ولم يُقدم ما يناظره في المكتبة العربية.

لقد قمتُ باستقصاء ومتابعة جادين على مستوى ما يكتبه الجيل الهلامي الذي لم تتضح ملامحه بعد. ولحسن الحظ العمل الذي أنا بصدده أشدّ باطنية ونأياً مما تصورت .. أهجس أن يكون فاتحةً لقرن جديد .

• كيف ترى الواقع الثقافي وأهم الأسماء في منطقة الجوف السعودية؟

ـ للأسف المنطقة في غيبوبة، ولحظتها الراهنة لا تليق بتاريخها العريق, منذ عشر سنوات والمنطقة تمعن في الغياب, إذ تفتقد للخطط التنموية والسياسات الاستراتيجية ما عدا السياسة المنهجية المتبعة رسمياً: سياسة إقصاء الرموز؛ ونصب الكمائن للمبدعين. أما المؤسسات الثقافية فلا حول لها ولا قوة, لا سيما بعد أن سيطر عليها الجهلة, المتخلفون، فحقول الثقافة ليست بازاراً رخيصاً لتعميم التبادلات تحت غرض القيمة النفعية.

أما أهم الأسماء في منطقة الجوف على المستوى الثقافي أو الأصوات المتفردة في فضاء المنطقة فهم: الأديب عبدالرحمن الدرعان, الباحث متروك الفالح, الكاتب إبراهيم الحميد, الباحث عوض البادي .. طبعاً هناك في الجامعات ومعهد الإدارة مجموعة من البارزين في مجالات أكاديمية وهم من فئة التكنوقراط والخبراء الإداريين، لكن لا علاقة لهم بالإبداع والحداثة والحراك الثقافي. وعلى صعيد الإبداع.. المنطقة فقيرة جداً، ويبدو أن الدرعان مثل أنثى العنكبوت العملاقة التي تحمل ذريتها على ظهرها.. لكنها تلتهم بشهية مفتوحة هذه الذرية! كل اليرقات المتكاثرة احترقت تحت شمس الدرعان. أحدهم أنشأ مدونة على النت (مدونة ملفقة متواضعة أدبياً) اطلعت عليها فصعقت من (إمام) المختلسين واللصوص. لم يترك مبدعاً في العالم لم يسرق قطعة منه. فكرت بكشف هذه الفضيحة لكنني أحجمت نظراً لأنه نكرة ولا يليق بي أن أنزلق نحو مستنقع الطفيليات .

إذاً هذا هو واقع منطقة الجوف, فهي منطقة في حالة غليان, لكن ليس لها رأس !

زارني في العام الماضي زيارة خاصة: علي الدميني، نجيب الخينزي، صالح الصالح، عبدالله الفاران بعد أن تجولوا برفقتي في دومة الجندل, فوجئوا بالإمكانيات الطبيعية للمنطقة ومدى جمالها وامتعضوا من إهمالها على المستوى الرسمي.

في إحدى زياراتي للروائي العالمي عبد الرحمن منيف في شقته بدمشق قالي لي: لقد زرت في شبابي دومة الجندل وسكاكا وتبوك, أثناء إقامتي في عمان, كنا نتردد كثيراً على قريات الملح .

أما دومة الجندل وسكاكا فهما مدينتان تاريخيتان مشبعتان بالحضارة وتستحقان مصيراً أفضل.

• ما المواقع التي تزورها على الانترنت؟

على طريقة أبي يزيدٍ البسطامي أنا لا أزورها، ولكن المواقع هي التي تزورني وتطوف حولي ثم تمضي!