الإسلام التقدمي في تونس ... لحظة المخاض

هل تستفيد الحركات السياسيّة التونسيّة من ربيع التغيير؟

لئن تبنّى الإسلاميّون التقدّميون منذ نشأتهم صوت المستضعفين ونادوا بدولة المستضعفين على غرار ما نادى به المفكّر الإيراني علي شريعتي، فإنّ هذا الصوت بات خافتاً لا يكاد يسمع في أدبيّات حزب الإصلاح والتنميّة ولا يكاد المتتبّع يدرك طبيعة الجمهور الذي قام من أجله الحزب وأعطاه الأولويّة من حيث المشاريع التنموية والاستراتيجيّات السّياسيّة، ويدفعنا هذا الطّرح إلى التساؤل عن إسهامات الإسلاميين التقدّميين في حلّ المشاكل الاقتصادية وطبيعة الدور الذي اضطلعوا به في هذا المجال الخطير. وليس من التجنّي أن نقول: إنّ دور الإسلاميّين التقدّميين الاجتماعي الإغاثي التضامني كان ضعيفاً لا يكاد يذكر.

أسهم الإسلاميّون التقدّميون منذ اندلاع الثورة التونسيّة، ونجاحها في توضيح أبعادها وخلفياتها وآفاقها، وفي هذا الإطار نظّم منتدى الجاحظ مجموعة من الندوات والتظاهرات الثقافيّة أشرف عليها ثلّة من الإسلاميّين التقدّميين المنتسبين إلى هذا المنتدى الثقافيّ، وعقد المنتدى "حواراً مفتوحاً حول الأحداث في تونس"، وانتظمت بعده ندوة بعنوان "مقاربة سسيولوجية وتاريخية لثورة 14 جانفي الشعبية" حاضر فيها كل من عدنان منصر ومحسن المزليني، وحاول في الفضاء ذاته أبو يعرب المرزوقي أن يجيب عن سؤال: "كيف تصبح الثورة ثورة شعبيّة، وتواصلت المحاضرات في فضاء منتدى الجاحظ حول "العالم العربي بعد الثورة التونسيّة" و"الثورة وإمكانيّة التغيير" و"جذور وآفاق السيرورة الثوريّة في المنطقة العربيّة" و"الثورة التونسيّة: الخصوصيات واستحقاقات المرحلة".

وهذا دور صرّح به الإسلاميون التقدّميون منذ ظهورهم على السّاحة الإسلاميّة، فالطرح الإسلاميّ يعيش تشتّتاً وتناقضاً أحياناً ولا بدّ من مجهودات تقريبيّة توافقية، ويرى الإسلاميّون التقدّميون أنّهم قادرون على الاضطلاع بهذه المهمّة، فهم إسلاميّون يحظون بثقة أغلب الأطراف الإسلاميّة المنتمية إلى أحزاب أو المستقلّة، وتندرج هذه الأنشطة ضمن رؤية استراتيجيّة ترى أنّ التحوّل السياسيّ نتاج طبيعيّ لكلّ تغيير ثقافيّ، ولذلك لا بدّ من تطوير الفكر والبحث وترسيخ الخطاب النقديّ، وفي هذا السياق يعمل أحميدة النيفر في مرحلة ما بعد الثورة على بعث مركز بحوث يعنى أساساً بتطوير الفكر الإسلاميّ.

يبدو أن حزب الإصلاح والتنميّة استفاد من أدبيات ما كان يعرف بالإسلام التقدّمي، وحافظ على مجموعة من المبادئ ناضل من أجل تحقيقها الإسلاميّون التقدّميّون على مدى ثلاثة عقود من الزمن أو تزيد يمكن اختزالها في قول زياد كريشان "كلّ تغيير حقيقيّ في مجتمعاتنا لا بدّ أن تسبقه ثورة ثقافيّة تعيد بناء الذّات"، وتشمل هذه الثّورة المرتقبة عدّة مجالات، فالثقافة تتجاوز هموم الفكر والإبداع لتشمل التعليم والإعلام والبحث العلميّ، ولئن ركّزت أدبيات الإسلاميين التقدّميّين على تجديد الفكر الديني وتثوير التراث وإثارة الأسئلة الفكرية الخطيرة فإنّ أدبيات حزب "الإصلاح والتنمية" لم تحصر اهتمامها في هذه المجالات، وأعلمنا محمد القوماني مؤسس الحزب أنّ "الإصلاح والتنمية" استفاد من أفكار الإسلاميين التقدّميين لكنّه لم يقف عندها ولم يتقيّد بها وتجاوزها إلى رحاب أوسع يشمل شرائح مختلفة من المجتمع التونسي.

إنّ من عرفوا سابقاً بالإسلاميّين التقدّميين بحثوا لهم - كما هو حال بقية النخب السياسيّة والإسلاميّة- عن دور في مرحلة خطيرة من تاريخ تونس المعاصر يستجيب إلى طبيعة تفكيرهم الثقافيّة والفكريّة، ولم يكن من اليسير تحسّس الدور المناسب لهذه المرحلة، فالوضع السياسيّ غامض ومتحرّك لا يستقرّ على قرار إلى درجة يصعب فيها ضبط ملامحه وأركانه، واضطربت معالم الانتماء ودلالات المصطلحات، وفي هذه الأجواء حاول "الإسلاميون التقدّميون" تحديد أدوارهم الممكنة في هذه المرحلة، وتقاسموا محاور الاهتمام، فانخرط بعضهم في تجارب سياسيّة وفضّل آخرون الاهتمام بالأنشطة الحقوقيّة والثقافية والبحوث العلمية، ولئن فكّر "الإسلاميون التقدّميون" في بعث حزب سياسيّ جديد فإنّ تفكيرهم باء بالفشل، وفضّل أغلبهم الالتحاق بحزب "الإصلاح والتنمية" لعلّ الأدوار تكتمل والأهداف تتحقق، ونجد اليوم أصواتاً نقدية تبتغي المراجعة تفصل بين الأدوار التي اختارها الإسلاميون التقدّميون لأنفسهم وما اختير لهم من أدوار حتّمها السّياق وفرضتها المرحلة.

يبدو أنّ من كانوا يعرفون بالإسلاميّين التقدّميين يعيشون لحظة مخاض ومراجعة، ونتج من ذلك إعادة النّظر في الأدوار التقليديّة التي اضطلع بها الإسلاميّون التقدّميون طيلة ثلث قرن من الزمن، ويتّجه خطّ المراجعة إلى التحرّر من هيمنة المحاولات الفردية الشخصيّة، وإعادة الاعتبار للجماعة والعمل المشترك، كما تتجه المراجعة نحو مزيد الاهتمام بقضايا التنمية والفقر والبطالة والتعليم والفساد الإداري ونهب الأموال العموميّة واستغلال النفوذ، فكلّ هذه القضايا وغيرها ممّا لم نذكر تنتظر حلولاً وأجوبة مقنعة وعملية يمكن تنزيلها حيّز الواقع، لقد ارتبطت أدبيات الإسلاميين التقدّميين بثورات عالميّة يسارية وإسلاميةّ أعطت الفكر والثقافة الأولوية في مشاريع التغيير.

لكنّ الثورة التونسيّة وما لحق بها من ثورات وانتفاضات عربيّة أعادت الاعتبار إلى الواقع بكلّ تراكماته وتناقضاته، فمتى تستفيد الحركات السياسيّة التونسيّة من فلسفة ربيع التغيير بالعالم العربي؟ ومتى سيتحرّر الخطاب السياسيّ من الثنائيات الإيديولوجيّة العقيمة التي عطّلت التنميّة، وشوّهت معالم الأزمة الحقيقية التي تعيشها تونس منذ أكثر من نصف قرن؟ فهلاّ أصلح الإصلاحيون ما فشل غيرهم في إصلاحه وتقدّموا بالبلاد لا في اتجاه إسلام تعدّدي عقلانيّ فحسب، بل في اتجاه تنمية حقيقيّة تشمل مختلف القطاعات؟ وأخيراً متى يقترن الإصلاح بالتنمية وتحدّياتها في مرحلة صعبة سقطت فيها كلّ شروط التنمية؟