لعلنا نتعلم: تجربة الثورة الفرنسية ليست من المقدسات

سبب اختياري الحديث عن غابريل ريكويتي، خطيب الثورة الفرنسية، هو لسبب واضح، ألا وهو إلقاء ضوء بما يسمح به المقال على تجربته على ضوء واقعنا العربي الحالي. وانا اعتقد ان مهمتنا كمثقفين ان نتفاعل مع قضايانا خاصة فى المراحل التاريخية الصعبة التي نمر فيها، والتي بات يسودها العنف الأعمى والتحريض والتعصب وتسييس الطوائف ووضعها فى حرب باردة او ساخنة في مواجهة بعضها.

ولقد سعيت في العديد من المقالات والمحاضرات ان انبه الى ضرورة عدم الوقوع في النمطيات الفكرية والسياسية الجاهزة لان بلادنا باتت بحق تتعرض لتحديات قد لا تكون مسبوقة في تاريخنا المعاصر. فالتطرف يزداد ومنطق العنف يزداد يوما بعد يوم مهددا نسيج مجتمعاتنا اكثر بكثير من المضىي بها الى ما نسعى اليه من حرية وعدالة وتقدم.

ومن اهم ملامح هذه المرحلة حسب رأيي هو الانتقال من مرحلة الاسلام السياسي العام الى الاسلام السياسي الطائفي، بحيث باتت الهويات الطائفية الضيقة تنافس بل وتحل مكان الهوية العامة الجامعة، الامر الذي يؤدي تدريجيا الى تآكل دولنا ومجتمعاتنا مؤسسة لوعي مزيف لا يخرج عن حدود كل طائفة الأمر الذي يؤدي لمستقبل مليء بالالغام. والحديث عن تجربة غابرييل ريكوتي ليس من قبيل نسخ التجربة بقدر ما هو رؤية آفاق تتعدى أفكار النمطية الثنائية التي تتحكم بالتفكير العربي السائد.

تشكل تجربة الرجل من وجهة نظري مأساة من يسعون لحلول سياسية عقلانية لانقاذ البلاد من الخراب والدمار في أوقات تاريخية صعبة. غابرييل ريكويتي كان ثوريا وكاتبا ودبلوماسيا وصحافيا وخطيبا ورجلا يحظى بالاحترام. وكان الرجل من انصار الملكية الدستورية متأثرا بالتجربة الديمقراطية البريطانية التي تطورت تدريجيا عبر قرون في بريطانيا بدءا من الماغنا كارتا 1215 وحتى العصور القريبة.

كان الرجل يرى ان انفلات الأمر بيد الغوغاء سيدمر فرنسا وعلى هذا الأساس قام بمحادثات سرية مع الملك ليقنعه بالأمر وقد فشل. تركزت افكاره وجهوده على محاربة الاستبداد من خلال تقييد سلطة الملك وفي الوقت نفسه تأمين حكومة قوية منعا للفوضى التي قد تعم البلاد. كما وقف بقوة ضد أي تدخل أجنبي معتبرا ان تغيير نظام الحكم يخص الشعب الفرنسي وحده لاجل التغيير نحو الديمقراطية والعدالة.

كان من رأيه ان المضي بالثورة الى الحدود القصوى سيعرض فرنسا للدمار وأيضا للتدخلات الاجنبية كما حصل فعلا لاحقا.

الخلاصة ان ضاعت جهود الرجل وقد مات مبكرا ولم يسمع رأيه أحد لا من هنا ولا من هناك. وكما توقع حصل: جاء المتطرفون من امثال روبسبير ودانتون وبدأ عصر المقصلة وسفك الدماء والقتل والاعدامات الجماعية. وسنرى لاحقا كيف جاءت الثورة البلشفية التي تابعت مسيرة ثقافة القتل وسفك الدماء الى درجه فاقت الثورة الفرنسية بكثير.

والتاريخ قد ظلم هذا الرجل الذي سعى لانقاذ فرنسا من ثقافة العنف الأعمى.

الخلاصة ان الثورة الفرنسية أسست لثقافة القتل وسفك الدماء فى سبيل التغيير ولا ينبغي حسب رأيي النظر اليها بلا نقد وكأنها من المقدسات. أما في انكلترا فقد تم بناء الديمقراطية على مراحل طويلة وبدون "ضربه كف" والأهم ان ذلك حصل قبل الثورة الفرنسية.