لماذا يقيم العراق على ميزان مضطرب منذ عشر سنوات؟

كلما صار الحديث عن استقرار الوضع الأمني في العراق ممكنا، طفت على السطح مرة أخرى أخبار التفجيرات والسيارات المخففة والقنابل اللاصقة والأحزمة الناسفة. حينها يبدأ التراشق بالاتهامات بين أطراف سياسية محلية، يُفترض أنها تقف على قاعدة واحدة وتنطلق من مبدأ واحد، إلا وهو مبدأ الشراكة في بناء عراق جديد، يكون بديلا عن العراق التاريخي الذي هشمته معاول المحتل الأميركي عام 2003.

ما لا يمكن أن ينكره أحد من أفراد الطاقم السياسي الذي يسعى إلى تبادل الأدوار في اللعبة السياسية في العراق بين حكم ومعارضة، أن سلطة الاحتلال هي التي مهدت الطريق لهم للوصول إلى مناطق النفوذ السياسي التي صاروا يتصرفون من خلالها باعتبارهم ممثلين للشعب العراقي، بكل مكوناته وفئاته (طوائفه وأعراقه). ذلك لان الجميع من غير استثناء يفتقدون إلى البعد التاريخي في السياسة العراقية. بالمعنى الذي يجعل منهم غرباء عن المعادلة التي كان الشعب العراقي قد عاش تجليات وصور جحيمها طوال أكثر من 35 سنة. غربتهم التاريخية (عاشوا معظم حياتهم خارج العراق) تلك جعلتهم يستجيبون بيسر إلى مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية في الحكم، ولم يتساءل احد منهم قائلا "هل في إمكان تطبيق ذلك المبدأ أن يساهم في انتقال بالشعب العراقي من حالة الانهيار المعنوي التي شهدت ذروة تفاقمها أثناء سنوات الحصار الدولي الذي فرض على العراق (1990ــ 2033) إلى حالة الاستقرار النفسي التي يحتاجها البشر لكي يكونوا ايجابيين في بناء أوطانهم؟

كان الامر المناسب لأولئك السياسيين القادمين من خارج الخبرة السياسية العملية أن يحكموا بلدا يتوزع بين الطوائف لا بلدا متماسكا وموحدا وقويا، تكون فيه المواطنة معيارا يتساوى من خلاله الجميع، في عراق يضع ثروته في مشاريع تنموية تعليمية تعوض الشعب العراقي ما شهده من ظلم وهوان وعزل وإذلال وكراهية، كان للمجتمع الدولي الدور الأعظم في تكريسه وتثبيته من خلال العقاب الجماعي.

اعتمد سياسيو العراق الجديد إذن صيغة جنينية مشوهة عن عراق لا يشبه نفسه. وهي الصيغة التي وضعها المحتل بين أيديهم على شكل خرائط نفوذ اشترط عليهم اعتمادها مقابل تكريس وجودهم حكاما محليين.

ومن البديهي أن تكون تلك الصيغة التلفيقية والمنتحلة قابلة للانفجار في أية لحظة. فهي صيغة لا تسمح بقيام مشروع سياسي موحد، يجمع من حوله أبناء الشعب العراقي كلهم، بل هي قاعدة يتقاسم من خلالها أمراء الطوائف والاعراق الغنائم، وسط تنافر هو في حقيقته انعكاس لتضارب وتناقض مصالح الفرق السياسية التي يسعى كل فريق منها إلى احتواء العراق وإن لم ينجح في ذلك فان اللجوء إلى التلويح بالحرب الأهلية أو رفع شعار الانفصال هما بديلا الفشل. ومن الطبيعي أن تفشل جميع الاطراف في مسعاها التآمري ذلك.

فالعراق الذي شق طريقه إلى التاريخ منذ حضاراته الأولى لم يكن إلا بلدا تعدديا، متنوع الاعراق والاديان والمذاهب. لم يكن اختزاله من خلال عرق أو دين أو مذهب بعينه ممكنا لتجسيد حضوره الحيوي في التاريخ. العراق الذي علم الآخرين عبر تاريخه أصول الاختلاف الفكري وأملى عليهم دروسا في أخلاقيات ذلك الاختلاف يبدو اليوم عاجزا عن استيعاب النهج التآمري الذي يتبعه أمراء الطوائف وهم يحيكون الدسائس، بعضهم للبعض الآخر.

لذلك كان الوضع الأمني الهش هو المختبر الذي تجري فيه تلك القوى العاجزة عن الامساك بالمعادلة السياسية الصحيحة تجاربها التي يهدف كل طرف منها إلى تهديد الاطراف الأخرى والتلويح بقدرته على اشاعة الاضطراب واعادة الأمور إلى ما صار يسمى بـ"المربع الأول". وهو المكان الذي لم يغادره العراق منذ عشر سنوات.

حروب صغيرة يدفع ثمنها الشعب العراقي ومحاربون ليس لديهم سوى أن يتنافسوا على الحاق أكبر ضرر ممكن بمستقبل العراق.