محاكمة المتهمين وارتباك «الإخوان»

رغم التشكيك الذي حقن به التنظيم الإخواني المتأسلم مختلف الوسائل الإعلامية والحقوقية، الإقليمية منها والدولية، في إمكانية تقديم موقوفيه للعدالة، إلا أن الدولة التي كانت قد أعلنت منذ لحظة القبض عليهم أنها دولة قانون، وأن القانون سيسير بصورة طبيعية دون تأثر بالاستهداف والتشكيك، كما أفشلت محاولات تدخل التنظيم الإخواني بمختلف الطرق، سواء عن طريق وفد رفيع المستوى أو عبر حرب إعلامية هنا وهناك... فاجأت التنظيم بتقديمهم للمحاكمة وانتهاجها الشفافية الكاملة في كل ما يدور بها، وهو ما أربك التنظيم ووضعه في حرج كبير أمام الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي، بسبب تأكيداته السابقة على عدم تقديم منسوبيه للمحاكم المدنية، ومحاكمتهم وفق نصوص الدستور العام.

وكعادته دائماً في اختلاق الأكاذيب حتى ولو كانت الفبركة التي يصيغها مادةً لإفتراءاته المتعددة تحمل التناقض الذي لا يخفى على أحد، بدأ التنظيم في بث دعاية مضادة تهدف للتشكيك في مسيرة المحاكمة التي تسارعت جلساتها التي فاجأت الرأي العام باعترافات الموقوفين خاصة في الشق المرتبط باتصالهم بجهاز «الموساد» الإسرائيلي الذي التقاهم مرات عدة، وخطط معهم صور وأشكال التدمير الذي كفى الله الدولة شرّ تنفيذه بتوقيفهم قبل الشروع فيه، فتضاربت أقواله التي ادّعى فيها تارة أن الجهاز التنفيذي للقضاء منع المنظمات الأجنبية من رؤية المعتقلين وحضور المحاكمات بسبب ما ادّعوه من انتهاكات وقعت على المتهمين، وهي تهمة مضحكة، لأن الدولة أعلنت صراحة أن لا مجال للمزايدة في سيادتها، وأن القانون يتطلب من تلك الجهات أذونات مسبقة لحضور الجلسات، وهو عرف سيادي تتخذه كل دول العالم. والمضحك في الأمر أن التنظيم المتأسلم الذي يقول بأن الدولة لم تسمح له بحضور المحاكمات يدّعي أن موقوفيه المتّهمين قد ظهروا بمظهر تبدو فيه على وجوههم آثار التعذيب، فكيف تبيّن لهم ذلك وهم يقولون إن الدولة لم تسمح لهم بلقاء الموقوفين وحضور محاكماتهم؟! ثم يعود التنظيم الإخواني المتأسلم لمناقضة أقواله تارة ثالثة حينما يقول بأن بعضهم قد أجبروا على الاعتراف تحت التهديد، في ذات الوقت الذي يقول فيه إن المكان الذي يتم فيه احتجاز الموقوفين سرّي ولا يعرف مكانه أحد! ثم يعود ويقول إن الدولة قد سمحت فقط لاثنين من أهالي كل موقوف بالحضور.

وفي حقيقة الأمر تأتي كل هذه الضجة المرتبكة التي لم تستقر على رأي واضح من كل تلك الآراء التي بعثرها التنظيم الإخواني عبر جيشه الإلكتروني على ساحات التواصل الاجتماعي بالإنترنت، وبعض صحفه وقنواته التلفزيونية، ووسائل إعلامه المختلفة، للتغطية وشغل الرأي العام عن تلك الاعترافات الخطيرة التي اعترف فيها موقوفوه المتهمون بجرائم واضحة. وعندما طلب أحد الموقوفين من القاضي حمايته والحفاظ على سريّة الجلسة لخطورة ما يريد الاعتراف به، سارع التنظيم بالتغطية على ذلك الطلب مدّعياً أن الخوف مصدره الأجهزة الأمنية، رغم أن الواضح جداً من ذلك الطلب هو أن الخوف كان من ردة فعل التنظيم من الفضائح الكبرى التي تكشف وجهه الآخر الذي هدف للنيل من نهضة البلاد واستقرار العباد، وهو ما أثار موجة غضب عارمة في أوساط الرأي العام الإماراتي الذي تساءل عن سبب مكابرة التنظيم واستمراره في قلب الحقائق رغم وضوحها، وتساءل بجدية عن السبب الذي يدعو التنظيم لمواصلة الكذب رغم الاعترافات المتواصلة من موقوفيه.

والغريب في الأمر أن قنوات التنظيم الإخواني التلفزيونية وأجهزته الإعلامية لا تزال تصف متهميه رغم اعترافاتهم الخطيرة، بـ«الإصلاحيين»، وتصرّ على أنهم بريئون من تهم اعترفت بها ألسنتهم. وفي مقابلة مع إحدى قنواتهم التلفزيونية مع أحد قادتهم الهاربين، قال إن الحوار هو السبيل الوحيد لما سمّاه «المأزق» الذي أدخلت الدولة نفسها فيه حسب تعبيره، وهو ما أثار موجة من الاستهجان والسخط في أوساط الرأي العام الذي طالب باجتثاث التنظيم الإخواني تماماً من أرض الإمارات، واستغرب من دعوة هذا الشحص للحوار بعد كل ما رشحت عنه المحاكمات من مخططات خبيثة، فالمتهمون الذين رعتهم الدولة، وأنفقت الكثير في تعليمهم، ووفرت لهم، كما هو الحال مع جميع مواطنيها، حياة الرفاهية المتكاملة الكريمة، لكن هؤلاء قابلوا كل ذلك بنوايا الغدر، ووضعوا أيديهم في أيدي أعداء البلاد، وأساءوا لأجهزتها السيادية، وشككوا في إسلام شعبها، وتجنّوا على ولاة أمرها، وخانوا أمانة جمعيات النفع العام التي أنفقت عليها الدولة بسخاء للنفع العام لكل مواطنيها، فأحالوها نفعاً خاصاً للتنظيم المحلي الذي أنشأوه، وحوّلوها حصّالات سخيّة أصبحت الدجاجة التي تبيض ذهباً للتنظيم الخارجي العام الذي غرر بهم، وباعهم أحلاماً زائفة، وصوّر لهم تمكيناً أكبر من تمكين الدولة لهم، وحوّل الدولة في عيونهم لوطن لا جود له، بعدما داعب مخيلاتهم بوطن أكبر هو وطن الخلافة الإخوانية، وأغراهم باستنساخ تجربة «الجحيم العربي»، بعدما عصب أعينهم عن رؤية نتائجه الكارثية في مختلف البلدان التي هبّ عليها، والتي أحال بنياتها التحتية لركام يحتاج عشرات السنين ليعود، وبعدما أحال شعوبها من بيوتهم الآمنة إلى معسكرات النزوح التي لاقوا فيها وفي طرق الوصول إليها الكثير من العنت والذل والإهانة والخوف، وبعدما أحال الشعب الواحد لنار تأكل بعضها بعضاً، وبعد أن تملّص من تعهداته حتى في بلد منشأه فبدأ بكذبة إصلاح المائة يوم، ثم انقلب على القوانين التي أتت بمنسوبيه لكراسي الحكم، وانقلب على الشعوب التي خدعها بالشعارات الجوفاء فحملته بأصواتها إلى مراكز القرار التي بدأ قراراته فيها بإهانة تلك الشعوب، والأهم من كل ذلك ما أدّوه من بيعة للتنظيم وما أقسموه في قسم الولاء والطاعة من منشط ومكره، فبقسم الطاعة في عملية البيعة الإخوانية كانوا قد اختاروا تلقائياً الخروج عن الولاء لولي أمر البلاد، واستبداله بولائهم للمرشد الذي ينظر إليهم كما لو أنهم آبار نفط لا أعضاء.

ويبقى الارتباك الواضح في أقوال وروايات التنظيم المفبركة حول المحاكمات، أكبر دليل على خوفه من الجلسات اللاحقة التي قد تكشف الكثير من الحقائق الغائبة، لا عن معرفة أبناء الإمارات وحدهم، ولكنها دون شك ستمثّل صدمة لكل من تعاطف مع التنظيم الإخواني، وكل من لم يعرفه على حقيقته، وهي لو سارت على هذه الوتيرة فستكشف التنظيم وتكون بالتأكيد بداية النهاية لتواجده في كل المنطقة.