كيف ساهم الفيسبوك في جمع السوريين والتفريق بينهم؟

الثورة الافتراضية على فيسبوك...

دمشق - عامان على الثورة السورية والشعب السوري لا يزال يتخذ من موقع التواصل الاجتماعي "الفيسبوك"، ملتقى سياسياً وفكرياَ وفنياَ يعكس من خلاله تطلعات أبنائه وتقييمهم للواقع المحيط، وفيه يتبادلون الآراء حول واقع الثورة وكيفية بناء الدولة الجديدة في المستقبل القادم.

وكما المعارك في قلب الحدث، حاسمة وقاتلة لكثيرين، هي كذلك على هذا الموقع الذي أفرز تكتلات جديدة وغريبة أحياناً. فحدَّ من جماهيرية البعض، بينما ألقى أضواء الشهرة على آخرين. وأما التقييم حول الصح و الخطأ، ومعايير الشهرة والإعجاب، فربما لن نصل لنتيجة في كشفها أبداً. إذ أنها تتبع لردات فعل شخصية مثلما تتبع لقيم وضوابط أخلاقية ومبادئ سياسية.

ومنذ البداية كان الفيسبوك أداةً حقيقية للتواصل، جمع طاقات الكثيرين وحشدها لتخرج على شكل مظاهرات واعتصامات في كافة المدن والمحافظات السورية. حتى أنه لعب دوراَ كبيراَ في تصنيف شعاراتها بما يضمن الوصول إلى صيغة نهائية تكفل المطالبة بالحقوق المنادى بها. وبالمقابل كان ليده غير الخفية، وجودها في خوض معارك التفرقة، مسلّحةَ بالفيديوهات والصور المسربة التي أعطت ثمارها في الأشهر الأخيرة من الأحداث، سواء على أرض الحدث أم على الفيسبوك.

من الناحية الإخبارية ومن خلال الصفحات الإخبارية المتخصصة، كان الفيسبوك ولا زال وسيلة إعلامية لنقل الأخبار من الداخل السوري، ورصد أبعادها ضمن حدود السياسة الخارجية وردة الفعل الدولي. وبفضل سرعتها في نقل الأحداث والأخبار، وصلت أعداد المشتركين في مثل هذه الصفحات إلى الآلاف. بالإضافة إلى قدرتها على التفاعل معهم لحظةً بلحظة ومشاركتهم عبر منشوراتها كل أسباب الفرح والألم اللذين يفرزهما الحال السوري اليومي.

كذلك أصبح مع مضي الأيام ساحةً لعرض آخر ما توصل إليه الإبداع السوري، تبادله ومناقشته. بدءاَ من الكاريكاتير وتصاميم الغرافيك ومروراً بالقصة والشعر ووصولاَ إلى الأفلام القصيرة والطويلة التي تحكي عبر الخيال والوثائقية عن الإنسان السوري. بالإضافة إلى الأغاني التي نطقت بها حناجر السوريين وغير السوريين تضمامناَ مع ما يجري من تنكيل وتشريد تحت غطاء دولي وأممي واسع.

عند هذه النقطة بالذات، أي حول تطرق الفيسبوكيين إلى معالجة قضاياهم فنياً وثقافياً لا بد من الإشارة إلى "مهرجان سوريا الحرة السينمائي الأول" والذي انطلق كتظاهرة فريدة من نوعها عبر صفحة على الفيسبوك حملت ذات الاسم. وهو عبارة عن جهد مجموعة من الشباب والشابات الذين أرادوا رصد الوجه الآخر للثورة، حيث الفكر والفن من أبرز قادتها. وقد استطاع المهرجان بفعالياته أن يستقطب الفنانين الشباب ويدخلهم في معترك الأزمة، ليرسموا بالصوت والصورة هذا الكم الهائل من المعاناة الإنسانية.

مشروع "دولتي" من المشاريع الفنية والثقافية التي برزت على الفيسبوك قبل أي مكانٍ آخر. إنها وكما يقول "الهدف الأساسي يتمثل في تحقيق التغيير بالعمل على الانتقال من حالة القتل إلى دولة التغيير المنشود ومحاولة تقليص الميل للانتقام والأخذ بالثأر لصالح المحاسبة والعدالة ، ترويج القدرة على تقبل وجهات النظر المختلفة وأهمية الاختلاف، ترويج القيم المدنية و سيادة القانون ، تقوية التعاون و الحوار وزيادة الوعي في الرؤية السياسية التي يختلف فيها الأشخاص في الوقت الحالي في كل مكان يجمعهم سواء في بيت أو في مكان عمل أو حتى بين الأصدقاء المقربين".

لكن وفي الوقت نفسه، ومثلما كان للفيسبوك دوره في لقاء البعض وتوافقهم، كان له الدور الأكثر وضوحاً في اتساع رقعة الخلافات واختلاف وجهات النظر. حتى أنه استخدم لتبادل الشتائم والاتهامات وعلى مستوى شخصيات بارزة ومعروفة في وسط المعارضة السورية. هذه الاختلافات وللأسف انتقلت إلى ذكرى انطلاق الثورة، حيث عكس الفيسبوك الحيرة والاختلاف بين 15 آذار و 18 آذار.

هذه الخلافات وغيرها بغض النظر عن حجمها ووجهات النظر المطروحة من قبل أطرافها، هي صورة حقيقية للمجتمع السوري بكل إفرازاته الفكرية والدينية، كما أنها تجسّد الحالة الطبيعية لبلد لم يكن طيلة 40 عاماً، على صلة تفاعلية مع السياسة وممارساتها. لذا فإننا قد نجد أثناء تشريحنا لطبيعة الأشخاص المستخدمين للفيسبوك ومن خلال منشوراتهم ومشاركاتهم الأخرى، تفاوتاً كبيراً يتبع للوعي والتجربة الشخصية وليست العامة.

اليوم وطيلة الأيام الماضية ومع اقتراب عيد الثورة، امتلأت صفحات الفيسبوك بالمنشورات المكتوبة والمصورة التي تستحضر ذكرى 15 و18 آذار. ولم يقتصر هذا الاستحضار على الصفحات الشخصية بل تعداه إلى الصفحات الإخبارية الأكثر شهرةَ، مثل صفحة "أحرار ثورة الكرامة"، وصفحة "أكاد الجبل".

وأما الشكل الذي جاءت به هذه الذكرى، فيحمل من العزيمة والإصرار على المضي قدماً، ذات القدر الذي يحمله من الحزن والألم.