لماذا يخشى السيستاني ومقتدى والحكيم من المالكي؟

يعتقد زعيم حزب الدعوة ورئيس الحكومة العراقية الحالية نوري المالكي، انه اليوم زعيم الشيعة السياسي الاوحد، وهو يدعو الشيعة في العراق الى دعمه وتأييده، ويعد كل من يخرج عليه ولا يتوافق مع طروحاته ومواقفه، شيعي مارق او شيعي مرتد. ساعده على التمسك بمنهجه المدمر وممارساته الطائفية، حياء المرجعية الشيعية في النجف بقيادة آية الله علي السيستاني وخشيتها من الانزلاق الى مهاترات معه، وخوف التيار الصدري برئاسة مقتدى الصدر الذي يتحسب من تكرار "صولة فرسان" جديدة ضده، وتفرج المجلس الاسلامي الاعلى الذي يرأسه عمار الحكيم على "تخبطاته" كما يسميها القيادي في المجلس باقر صولاغ، رغم ان هذه الاطراف الشيعية البارزة تكاد تجمع على ان اجراءات المالكي وسياساته خاطئة وتقود الى ايذاء الشيعة والاضرار بمستقبلهم.

ولان قادة ورموز السنة العرب قد بحت أصواتهم من كثرة ما دعوا الى الحكمة والنصح بالخير، بعد ان اعلنوا في اكثر من مناسبة انهم لا يريدون سلطة ولا يرغبون في حكم، وكل الذي يتمنوه إنصافا لملايين السنة العرب الذين يتعرضون للظلم والاضطهاد والتمييز والتهميش، واحتراما لهويتهم وعقائدهم وأعرافهم ومواقفهم، بلا استخفاف بها او نيلا معيبا منها، وناشدوا بهذا الصدد السيد السيستاني ومراجع الشيعة وقادة الاحزاب والهيئات والشخصيات الشيعية لوقف جماح زعيم حزب الدعوة نوري المالكي وتسكين خواطره وتهدئة مخاوفه، لذلك لم يعد مبررا بعد اليوم للقيادات والشخصيات السنية العربية ان تلوح بالسلام الذي يتوهم المالكي بانه ضعف، وليس من حقها ايضا ان تدعو الى الاخوة والتآلف بعد ان تبين ان حزب الدعوة ماض في مخططه الاجرامي لتدمير نصف العاصمة بغداد وخمس محافظات عراقية تشكل اكثر من ثلثي مساحة العراق.

ونقولها بصراحة مع الاحترام لما أبداه العلامة عبدالملك السعدي من مواقف معتدلة، وما أعلنه الشيخ حارث الضاري من دعوات خيرة، وما صرح به اسامة النجيفي ورافع العيساوي وغيرهما من تأكيدات على المشروع الوطني وتضامن السنة والشيعة، وترديد اكذوبة "هذا الوطن ما نبيعه"، ان الوقت قد حان لمراجعة مع الذات ربما تكون قاسية ولكنها ضرورية ومطلوبة بعد ان تكشفت للداني والقاصي مخططات حزب الدعوة ورئيسه المالكي في تقزيم السنة العرب وتحجيم دورهم الوطني والقومي والغاء عروبتهم والطعن في دينهم والسعي الى تحويلهم الى بيئة متهمة بالارهاب تارة والارتباط بقطر والسعودية وتركيا تارة اخرى.

لقد تعالت النداءات من الاعظمية والكرخ ببغداد ومن محافظات الانبار والموصل وصلاح الدين وكركوك وديالى الى السيد السيستاني بضرورة ان يتدخل سماحته لدى المالكي ويوصيه باتباع السبل الكفيلة لنزع فتيل الانفجار الآتي، ويوقف تداعيات الزلزال القادم. ولكن لم نلمس من سماحته غير دعوات خجولة لا يلتفت اليها المالكي ولا يعيرها أية اهمية، والامر نفسه ينطبق على السيدين مقتدى الصدر وعمار الحكيم اللذين رغم انهما استشعرا بالخطر الذي يمثله حزب الدعوة وما يحمله من مشاريع تهدد مستقبل الشعب العراقي، فانهما مع الاسف ظلا على سلبيتهما وكأن الامر لا يعنيهما، وكل الذي صدر من الصدر تحديدا، نصائح للسنة العرب بالتهدئة والسكينة وعدم الانجرار الى الفتنة الطائفية دون ان يشير صراحة الى حزب الدعوة ورئيسه نوري المالكي، وهما من يمهد لهذه الفتنة ويحرض على السنة العرب، في حين اثبت السنة عبر تظاهراتهم واحتجاجاتهم انهم طلاب وحدة ودعاة تعاون.

والحقيقة ان السنة العرب في العراق، ليسوا معنيين بظروف المرجعية الشيعية في النجف التي تجعلها خائفة من حزب الدعوة ولا تجرؤ على الحديث مع قادته، وليسوا معنيين بمخاوف الصدريين والمجلسيين من انتقام المالكي وتهديداته لهم بشطب التيار الصدري والمجلس الاعلى في الشارع الشيعي، فهذه قضية تهم السيدين مقتدى الصدر وعمار الحكيم ورفاقهما.

ان السنة العرب باتوا على قناعة كاملة بان نوري المالكي وحزبه، هما من يدفعان العراقيين الى التقاتل، وهما من يشجعان على تقسيم العراق، وهما من يريد تدمير الوطنية العراقية والغاء الهوية العربية والاسلامية لهذا البلد الذي كان يمثل في احلك الظروف حاضنة للتعايش الاجتماعي بين جميع ابنائه، دون تفريق مذهبي او مناطقي، وواحة للمثقفين والأدباء والشعراء والفنانين والمبدعين بغض النظر عن دينهم او طائفتهم، وجاء حزب الدعوة وقد تشبث بما رسمه الامريكان الغزاة من "خانات" ومحاصصات وصنف الشعب الى درجات وقسم البلاد الى مقاطعات، لذلك فان السنة العرب باتوا يشعرون بان هذا الحزب يستهدفهم طائفيا ومناطقيا واجتماعيا ويخطط للقضاء عليهم، فمن حقهم ان ينتفضوا عليه ويُفشلوا مخططاته ويقتلوا النوايا الشريرة التي تسكن في نفوس قادته، وعلى هذا الاساس فانه ليس من حق السادة السيستاني ومقتدى وعمار وغيرهم من قادة الشيعة ان يلوموا او يعتبوا بعد ان تلقوا رسالة السنة العرب واضحة بلا لبس او غموض، وعليهم ان يتوقعوا كل شيء يجد السنة العرب انفسهم مرغمين على الذهاب اليه بعد ان سد حزب الدعوة وقائده المالكي سبل التفاهم معهم.

لقد وقفنا خلال الفترة الماضية ضد اقامة الاقليم السني، مدفوعين بمشاعر وطنية وقومية حريصة على وحدة العراق كما كنا نعتقد، وتصادمنا مع اخوة لنا ورفاق واصدقاء، كانوا متحمسين للاقليم، وخضنا معهم حوارات ساخنة ومعارك كلامية حادة، حتى وصل الامر الى قطيعة مع بعض أهلنا، وكنا نأمل ان يبادر مثقفو وقادة وزعامات الشيعة الى الضغط على حزب الدعوة لوقف سياساته الطائفية وممارساته القمعية، كما ضغطنا نحن على اخوتنا وأشقاءنا الداعين الى الاقليم السني، ولكن الذي حصل ان هذا الحزب لم يعد يردعه رادع، ولم يستطع أحد ان يوقف جرائمه وانتهاكاته ولم نسمع من السادة السيستاني والصدر والحكيم وبقية المراجع والشخصيات الشيعية كلمة تقول للمالكي قف انت مخطئ وعليك التصحيح والاصلاح.

وعندما يصر المالكي على جمع السلطات السياسية والعسكرية والامنية في يديه ويرفض تقاسم السلطة ويمتنع عن تطبيق اجراءات التوازن الوطني في الوزارات والسفارات والدوائر الحكومية وقوات الجيش والشرطة والامن والمخابرات، فان ذلك يعني انه مصر على اذلال السنة العرب واهانتهم وكأنه لم يكتف بما فعله بهم طيلة السنوات السبع الماضية من تنكيل وتقتيل، وقد كان صادقا مع منهجه الطائفي عندما أبلغ قادة القائمة العراقية الذين رشحوا له اكثر من ثلاثين اسما لتولي وزارة الدفاع كما أوصت اتفاقية اربيل المشؤومة، بانه لا يثق بضابط سني حتى لو كان برتبة ملازم لتسلم وزارة الدفاع، وكان صادقا مع توجهاته الطائفية عندما يرسل قوات من الجيش والشرطة الاتحادية جميع ضباطها وجنودها ومراتبها من الشيعة الى الموصل ثاني اكبر المحافظات العراقية بعد العاصمة بغداد المعروفة باغلبيتها السكانية السنية العربية، وهو يعلم تماما ان في الموصل من الضباط والجنود يشكلون خمسة فيالق عسكرية مهنية ومحترفة، ولكنه الحقد الطائفي الاعمى الذي يفرق بين الناس ولا يبصر غير نفسه.

ونعترف ان المالكي بات الاقوى شيعيا وتتفوق سلطاته على جميع سلطات المرجعيات والاحزاب الشيعية وقد يحصل في الانتخابات المقبلة على ضعف ما حصل عليه في الانتخابات السابقة في المناطق والمحافظات ذات الكثافة السكانية الشيعية، وهذا كله لا يعني السنة العرب الذين هزموا مرشحي المالكي في مناطقهم ومحافظاتهم في الانتخابات الماضية وسيمنعون مرشحيه من خوض انتخابات عام 2014 إذا جرت، لان المؤشرات والمعطيات السياسية والاجتماعية تؤكد بان حربا دامية ستقع لا محالة بين السنة العرب وحزب الدعوة اذا ظل المالكي على رأس السلطة والحكم. وهذه الحرب لا تقتصر على بغداد والمحافظات السنية المعروفة كما يعتقد بعض السياسيين مثل النائب حسن العلوي الذي توقع ان اطراف بغداد ستكون مكانها المحتمل لان حزام بغداد كما أسماه سني بالكامل، وانما ستمتد الى البصرة والكوت والسماوة والحلة وسوق الشيوخ وكل مكان فيه اختلاط سكاني ولا تتفاداه ايضا محافظات وسطى وجنوبية، لان مثل هكذا حرب ليست لها مواصفات الحرب التقليدية ولا قوانينها المعروفة، ستكون حربا مجنونة بكل المقاييس، تأتي على الاخضر واليابس، ومقدماتها بدأت في ارسال قوات بأمر من مكتب المالكي ببغداد الى الانبار بحجة حماية الحدود مع سوريا وقد تدربت على مهاجمة المتظاهرين والمعتصمين في الفلوجة والرمادي واعدت الخطط لذلك. وانصار المالكي باتوا لا ينكرون بان معركة الانبار ستكون اولى المعارك اعتقادا منهم بان كسر تظاهرات اهل الانبار وفض اعتصامهم سينهي المعركة لصالح الحكومة، دون ان يدركوا لصلفهم وعنجهيتهم بان ثمانين الف مقاتل انباري جاهز الان ومستعد لساعة الصفر.

وبالتأكيد، فان المسؤولية الدينية والاخلاقية تحتم على السيد السيستاني وصحبه المراجع الاجلاء وقيادات التيار الصدري والمجلس الاعلى وجميع الاطراف والكتل الشيعية، المبادرة الى استخدام جميع السبل والوسائل باللين او القوة، بهدف تحييد حزب الدعوة ووقف هيجانه وسحب نوري المالكي الى مواطن العقل والتعقل وتنبيهه الى مخاطر ما فعله سابقا وما يخطط اليه لاحقا، والا فان الامر اذا فلت الآن، فان أكبر قوة في العالم لن تقدر على الامساك به، والله يستر.