الانتخابات الرئاسية في إيران ومفاجآت اللحظة الأخيرة

اعتدنا خلال العقدين الماضيين على الوصف الذي يطلقه المسؤولون الإيرانيون عن أي إنتخابات تجري في البلاد وهو أن هذه الإنتخابات مختلفة عن سابقاتها، وهذا ما يصدق على الإنتخابات الرئاسية المقبلة التي ستجرى في إيران في يونيو/حزيران المقبل. فالفترة القادمة ستكون حرجة للغاية وذلك نظراً للأوضاع التي تمر بها إيران سواءً بتأثير العقوبات الدولية المفروضة عليها بسبب ملفها النووي المثير للجدل، أو بسبب أزمة الإنتخابات الرئاسية الأخيرة التي جرت في صيف 2009 والتي لا تزال تبعاتها مستمرة حتى الآن.

و كأي إنتخابات تجرى في أي مكان في العالم، لا يمكن توقع النتائج وذلك بسبب التعقيدات السياسية التي تلف العملية الإنتخابية، كما أن إيران ليست مستثناة من هذا الموضوع بل يمكن القول أن العملية الإنتخابية في إيران معقدة للغاية وقد تكون الأكثر تعقيداً في العالم، لأنها تتسم بعنصر المفاجأة في اللحظة الأخيرة.

العامل الإضافي يأتي من خروج الإصلاحيين ومن بعدهم الرئيس الحالي محمود أحمدي نجاد من عباءة المرشد علي خامنئي وهو الموقف الذي لا يزال يلقي بضلاله على الأوضاع السياسية في إيران.

فمرشد الثورة الإسلامية علي خامنئي الذي يبلغ من العمر 74 عاماً والذي يعاني من مرض السرطان يخشى من أن تكون هذه الإنتخابات هي الأخيرة التي سيشهدها. وتجربة خامنئي في الإنتخابات الماضية وفشله في دعم مرشح مطيع ينصاع للأوامر كما حصل مع محمود أحمدي نجاد وتمرد الأخير ودخوله في مواجهة مع خامنئي دفعت الأصوليين للقول بأن الرئيس المقبل لابد أن يكون مطيعاً للمرشد.

خامنئي لا يحبذ بقاء أحمدي نجاد مدة أطول في منصبه كرئيس بسبب تمرده المتكرر وتصريحاته الغريبة. إلا أن ما يمنعه من عزل الرئيس هو عدم تمكنه من توقع ردة فعل أحمدي نجاد ومقربيه في الحكومة والذين يطلق عليهم الأصوليون صفة التيار المنحرف. ولهذا السبب يفضل خامنئي تحمل الرئيس ومن معه حتى ينهي فترته الرئاسية تجنباً لحدوث مشاكل التي لا توقعها. كما أن خامنئي الذي يواجه مشاكل كثير ومعقدة بسبب ملف إيران النووي والعقوبات الدولية والأزمة السورية بالإضافة إلى الإقامة الجبرية المفروضة على زعيمي التيار الإصلاحي مير حسين موسوي ومهدي كروبي وسجن أبرز قيادات هذا التيار، كل هذه المشاكل بدأت بالفعل تسبب إحراجاً للنظام برمته.

النظام الحاكم في إيران يفتقر لوجود قادة صغار في السن نسبياً يمكنهم أن يخلفوا خامنئي في حال وفاته، وأن خلفاءه المحتملين طاعنون في السن وأن بعضهم يكبرون خامنئي بسنوات ويعانون من مشاكل صحية، ومن بين هؤلاء أحمد جنتي ومحمد يزدي ومحمد تقي مصباح يزدي ومحمد رضا مهدوي كني.

هاشمي رفسنجاني

وضع علي أكبر هاشمي رفسنجاني رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام لا يتخلف كثيراً عن باقي خلفاء خامنئي المحتملين، إلا في شيء واحد وهو أنه محسوب على المعارضة الإصلاحية رغم أنه لم يكن يوماً إصلاحياً، كما أن رفسنجاني لا يزال غاضباً بسبب ما يصفه أنصاره تلاعب الحرس الثوري بنتائج الإنتخابات الرئاسية التي جرت عام 2005 لصالح منافسه أحمدي نجاد ومن بعدها إتهام أحمدي نجاد له ولأسرته بالفساد وذلك أثناء إحدى المناظرات التلفزيونية الإنتخابية في 2009 .

و في الواقع فإن الإنتخابات الرئاسية المقبلة يمكن إعتبارها آخر فرصة لرفسنجاني لكي يعيد إعتباره وهيبته في النظام، كما أنه لا يخفي رغبته في إظهار أنه لا تزال شعبيته مرتفعة لدى غالبية الناخبين ويود أن يثبت لخامنئي أنه كان على حق عندما إنتقد دعم الأخير والحرس الثوري لأحمدي نجاد في الإنتخابات السابقة.

بقاء أو رحيل أحمدي نجاد

إن أداء أحمدي نجاد في الحكومة وتصرفاته خلال السنوات الثلاثة الماضية وإنقلابه على حلفائه السابقين ودخوله في مواجهة مع خامنئي والحرس الثوري والتيار الأصولي أفقدته شعبيته داخل النظام الحاكم في إيران. فالشخصيات السياسية المؤثرة في نظام الجمهورية الإسلامية محبطة وتبدي قلقاً حيال التحركات الأخيرة لأحمدي نجاد ومقربيه في الحكومة. كما أن تلك الشخصيات تسعى للتقليل من تبعات التمرد السياسي لأحمدي نجاد ومقربيه. ولهذا فأننا كلما إقتربنا من الإنتخابات الرئاسية فأن كبار الساسة في إيران لا يخفون رغبتهم في أن تكون الإنتخابات المقبلة نهاية عصر أحمدي نجاد وزوال تياره الذي يطلقون عليه تسميه التيار المنحرف.

أحمدي نجاد يعول على إستمرار حكومته عبر ترشيح أحد مقربيه في الحكومة وتطبيق نسخة الإنتخابات الرئاسية الروسية الأخيرة والتي يصفها الأصوليين في إيران بنسخة بوتين – ميدفيدف ، ويفضل أحمدي نجاد أن يرشح رئيس مكتبه السابق إسفنديار رحيم مشائي وشخصيته المثيره للجدل لمنصب الرئيس. كما أن كبار رجال الدين المتنفذين في النظام هددوا برفض ترشح مشائي للإنتخابات الرئاسية المقبلة حتى قبل أن يقدم طلب ترشحه. من بين هؤلاء أحمد جنتي وهو احد أبرز أعضاء مجلس صيانة الدستور وإمام جمعة طهران، الذي أعلن علناً بأنه سيمنع ترشح مشائي.

خسارة أحد المرشحين المفضلين لـ أحمدي نجاد أو عدم تمكنه من الترشح في الإنتخابات الرئاسية المقبلة ستكون له عواقب وخيمة له وللمقربين منه في حال إنهاء فترته الرئاسية المقبلة. فالسلطة القضائية لا تزال تخفي في جعبتها ملفات تتهم فيها أحمدي نجاد وحلقة المقربين منه في الحكومة بالفساد، وهذا ما دفع أحمدي نجاد في الفترة الأخيرة لإثبات براءته وإتهام الحرس الثوري والتيار الأصولي بالسعي للتلاعب في نتائج الإنتخابات المقبلة واللجوء لبعض التصرفات الغريبة، كما أن أحمدي نجاد يحبذ عزله قبل إنتهاء ولايته الرئاسية وذلك لإلقاء لائمة فشل حكومته على خامنئي والحرس الثوري، وتبرئة ساحته على الأقل لدى الرأي العام.

خاتمي والمنفذ الأخير

تناقلت وسائل الإعلام المحلية في إيران في الآونة الأخيرة أنباء عن تحرك بعض رموز التيار الإصلاحي وبعض قادة الحرس الثوري من أجل حث الرئيس الإصلاحي السابق محمد خاتمي من أجل العودة للساحة السياسية وترشحه للإنتخابات الرئاسية المقبلة وإخراج البلاد من أزماتها الحالية بدءاً من العقوبات الدولية وتبعاتها الإقتصادية بسبب ملفها النووي وإنتهاءً بالتركة الثقيلة التي سيتركها أحمدي نجاد عقب إنتهاء رئاسته. كما أن بعض الأصوليين لا يخفون أن خامنئي هو من يرغب في عودة خاتمي للساحة السياسية، حتى أن رفسنجاني ألمح مؤخراً إلى دعمه لفكرة مشاركة خاتمي في الإنتخابات الرئاسية المقبلة.

إلا أن خاتمي لا يزال مصراً على شروطه السابقة والمتمثلة في إطلاق سراح الزعيمين الإصلاحيين مير حسين موسوي ومهدي كروبي وباقي الإصلاحيين الذين يقبعون في السجون، وإجراء إنتخابات حرة ونزيهة وكف يد الحرس الثوري عن التدخل في الشؤون السياسية والإقتصادية في البلاد وعودته كجهاز أمني عسكري لا يتدخل في السياسة، والأهم من ذلك مطالبته بالإنفتاح السياسي وإعطاء المزيد من الحريات بالأخص للمثقفين والمفكرين في البلاد.

تخوف الإصلاحيين

من جهة أخرى يتخوف الإصلاحيون من نتيجة الإنتخابات الرئاسية المقبلة وآثارها على الحركة الإصلاحية، لدرجة أن بعض الإصلاحيين يصفون الإنتخابات المقبلة بأنها قضية حياة أو موت لهم.

يعتقد الإصلاحيون أن غيابهم عن الساحة السياسية بسبب الإقصاء قد عرضهم لخطر النسيان في المجتمع الإيراني، فقد بدأ الناس ينسون رموز التيار الإصلاحي ودورهم في الإنفتاح السياسي الذي توفر أبان تولي محمد خاتمي لرئاسة البلاد، كما أنهم يشعرون بأن مكانتهم الإجتماعية باتت مهددة بسبب تعرضهم للإقصاء.

فأغلب كبار التيار الإصلاحي إما هم رهن الإقامة الجبرية كمير حسين موسوي ومهدي كروبي وإما يقبعون في السجون، كذلك إن القيود المفروضة على باقي قادة وناشطي التيار الإصلاحي يمنعهم من التواصل الإيجابي والتوصل إلى إجماع في الآراء بما يخص مشاركتهم في الإنتخابات المقبلة .

خامنئي ولعبة اللحظة الأخيرة

لا يزال الكثير من الأصوليين يطالبون بأن يكون المرشحين في الإنتخابات المقبلة تابعين لأوامر المرشد علي خامنئي وتحت عباءة ولاية الفقيه، وهذا ما دفع مجلس صيانة الدستور إلى وضع شروط وقوانين مشددة من بينها التبعية الكاملة لولي الفقيه لجميع المرشحين.

الأصوليون يعتقدون أن مثل هذه التوجهات هي من ستحدد الرئيس المقبل للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولهذا السبب فإن الأصوليين ينشطون تحت عباءة كبار رجال الدين الذين قد يكونون الخلفاء المحتملين لخامنئي في حال رحيله كأحمد جنتي ومحمد يزدي ومحمد تقي مصباح يزدي ومحمد رضا مهدوي كني. وهم يتخوفون من أن تمهد الإنتخابات المقبلة الطريق نحو إنشقاقات جديدة وظهور تيارات وتكتلات جديدة داخل التيار الأصولي المحافظ وظهور شخصيات منافسة لهم، كما أنهم يخشون أن يستغل الرئيس المقبل أياً كان منصبه من أجل فرض مقربيه في الحكومة وإبرازهم كقادة وإلى ظهور تيار جديد متمرد مثل التيار الذي إنبثق من حلقة المقربين من أحمدي نجاد في الحكومة والذي يطلق عليه تسمية التيار المحرف. وهذا يظهر مدى تهافت ساسة بارزين لخوض الإنتخابات حتى لو كانت المرة الثالثة التي يشاركون فيها كالقائد السابق للحرس الثوري محسن رضائي ورئيس البرلمان السابق غلام علي حداد عادل وغيرهم .

الحرس الثوري ودوره المختلف

على عكس الشخصيات السياسية التي تخشى الموت السياسي المبكر عقب الإنتخابات الرئاسية المقبلة، فإن الحرس الثوري وكما في السابق سيسعى لإقتناص الفرص الذهبية من أجل لعب دور سياسي مختلف في الإنتخابات المقبلة.

ولم يخف كبار قادة الحرس الثوري هذا التوجه، من أبرزهم محمد علي جعفري قائد الحرس الثوري الذي قال في إحدى تصريحاته: إن الجمهورية الإسلامية تعيش مرحلة ثالثة من مراحل تكوينها السياسي منذ إنتصار الثورة الإسلامية في 1979 حتى الآن، وتأسيس الحكومة الإسلامية التي يعتبر آية الله علي خامنئي هو الذي وضع فكرتها الأساسية، وعلى هذا الأساس فإن هذه المرحلة من عمر الجمهورية الإسلامية هي الأصعب ولا يمكن لأي جهاز أمني بإستثناء الحرس الثوري القيام بدور المحافظة على تلك القيم.

إحتمالات اللحظة الأخيرة

إن الإنتخابات الرئاسية المقبلة في إيران والمشاكل والظروف المحيطة بالجمهورية الإسلامية تجعل من الصعب على أي محلل سياسي أو مراقب للشأن الإيراني توقع ما ستفسر عنه الأمور حتى في حال التعرف على المرشحين الرئيسيين الذين سيخوضون المنافسة الإنتخابية ومدى شعبيتهم بين الأوساط السياسية والرأي العام المحلي.

فمنذ الإنتخابات الرئاسية المثيرة للجدل والتي جرت في 2009 والإحتجاجات التي تلتها، أصبح الرأي العام الإيراني غير مكترث لما يدور في الساحة السياسية، كما أن المشاكل الإقتصادية التي نجمت عن سوء تخطيط الحكومة وإدراتها للأزمات والعقوبات الإقتصادية التي بدورها تسببت في هبوط قيمة العملة المحلية وإرتفاع مستوى الغلاء والتضخم، وجعل المواطن الإيراني يفقد ثقته بجميع هياكل النظام الحاكم ومؤسساته، كما أن الصراع الداخلي أضعف مختلف التيارات السياسية وجعل البلاد على الهاوية وهذا ما يجعل الرأي العام الداخلي يفقد حتى أدنى بصيص للأمل لتحسين أوضاعه المعيشية والسياسية.

وفي المقابل ومع إقترابنا من الإنتخابات الرئاسية، تتزايد مخاوف التيارات السياسية بمختلف توجهاتها في إيران من أن السنوات المقبلة التي ستلي الإنتخابات ستكون مصيرية وإن عليهم إصلاح ما أفسدته حكومة أحمدي نجاد وأن مسار الإصلاح سيبدأ من جديد مع إنتخاب الرئيس المقبل للبلاد.

وبالتأكيد فإنه لم يعد أي مكان للتوقعات، لأنه خامنئي الذي كان يعول على مرشحه المفضل والذي تلقى منه الدعم الكامل سواء عبر تجنيد الحرس الثوري أثناء حملته الإنتخابية وبعدها، لم يتوقع يوماً ما تمرده والخروج من عباءته، وهذا الأمر إنعكس على الأجواء السياسية المشحونة أساساً في إيران، وجعل الجميع يترقب ما سيحدث في الإنتخابات المقبلة وما هي الوجوه الجديدة التي ستنبثق منها؟ وما مستوى تأثيرهم على الأوضاع السياسية المتفاقمة وهل ستغيرها نحو الأحسن؟

لا يمكننا توقع من سيترشح للإنتخابات الرئاسية ومن سيدعم كل مرشح، وذلك بسبب تشابك المصالح والتوجهات السياسية، حتى الإصلاحيين الذين يقفون في صف المعارضة لا يمكنهم توقع مجيء محمد خاتمي وترشحه في الإنتخابات القادمة. فكل شيء في إيران أصبح منوطاً باللحظة الأخيرة وإنتظار المفاجآت.