أين عدل الله ... الحكومة الدينية أم المدنية؟

وكلاء الله!

انفجر الطلبة في فبراير (بهمن) من العام 1979 بالثورة الإيرانية ضد الشاه فقمعها بكل سبيل ولم يفلح. وأسس الخميني دولته الدينية. وفي يونيو 2003 انفجر الطلبة في طهران بمظاهرات ضد الحكومة الدينية فتم قمعها كما فعل الشاه من قبل. هذه المرة باسم الدين. واعتبرت الحكومة الدينية أن أولئك الطلبة مارقون يحاربون الشريعة. وفي لحظة تحول من قاوم الاضطهاد إلى جلاد. وهذا الانقلاب في الأدوار سنة كونية. وبقدر اضطهاد المسيحيين في الكولسيوم في روما وحرقهم وإلقائهم إلى الأسود.

فقد فعلت المسيحية بخصومها ما هو أفظع مما فعلته روما بالمسيحيين. وعندما نجحت الثورة الإيرانية فإنها لم تقل للناس اذهبوا فأنتم الطلقاء بل استفتحت العهد الجديد بسلسلة لا نهاية لها من الإعدامات خلدها الخلخالي بمنظره الكاريكاتوري في محاكم هزلية باسم الشريعة. وهكذا طرد الشاه من إيران ثم عاد فدخل بعباءة وقفطان ولحية.

في السودان نجح الترابي في إقامة خلافته الدينية ولكن الحصان العسكري الذي جاء به إلى السلطة جمح به فكاد أن يدق عنقه. وهو الآن يكتب مخطوطة كبيرة في السياسة والحكم في الإسلام بأن الحريات هي أم القضايا بعد أن قضى على الحريات.

وفي أفغانستان حكم الطالبان فوأدوا المرأة وقتلوا المخالف وحطموا الأماكن الأثرية بدعوى الأصنام ومشى الناس على رؤوسهم إلى الخلف. كل ذلك تم باسم الحكومة الدينية.

وفي العراق كتب صدام على العلم العراقي الله أكبر ولم يكن في العراق من هو أكبر من صدام. وفي الجزائر ذبح أكثر من مائتي ألف بالسواطير والسكاكين بدعوى الجهاد لإقامة حكومة دينية.

وفي سوريا تم توزيع منشورات سرية بفتوى من ابن تيمية بجواز قتل النصيرين بأي سبيل فهذا أقرب للتقوى. مما دعا السلطة إلى إصدار بلاغ بإلقاء القبص على ابن تيمية؟

وفي العام 1980 جرت محاولة لاغتيال رئيس الجمهورية في سوريا مما جعل النظام يتورط في قتل ألف معتقل سياسي وهم في عنابر السجن فهذا أدعى للأمن.

وكما نرى فالكل يستحم في العين الحمئة نفسها من نجاسة الدم المسفوح.

كل هذا الصراع يدور حول تأسيس الحكومة الدينية ولكن هل الحكومة المدنية تتعارض مع الإسلام؟ وهل أثبتت الحكومات التي رفعت الشعارات الدينية جدارتها ونجاحها في عالمنا المعاصر؟ وهل الحكومة الدينية هي الحل لمشاكلنا الإنسانية؟

هذا الموضوع يحتاج إلى دراسة تاريخية وسير في الأرض لرؤية المكاسب والخسائر التي جلبتها للناس. فمن الواضح رؤية المشهد الدامي عبر العصور لأتباع الأنبياء وهم يتقاتلون وكل حزب يريد إقامة حكومته الدينية. ويدعي أن كل ما عداها باطل يجب محوه. "ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد". لماذا يقتتل أتباع الأنبياء؟

في البداية كان الناس يقتتلون على الطعام والمال والأرض والنساء. والقرآن يذكر أول حادثة قتل في تاريخ البشرية لأنه لم يُتَقَبل منه قربانه. فالسبب هو الإحباط والنقمة لما نزل به من فضيحة دينية فقد كشف عدم صدقه في التقرب إلى الله. وأن شعاراته الدينية كانت هزيلة وزائفة. وكثير من الدول المستكبرة الآن على مذهب قابيل ترفع الشعارات الطيبة وأحياناً الدينية وتقتل من يحاول كشف زيفها.

ثم جاء بنو إسرائيل وأقاموا دولتهم الدينية على الجماجم والدماء وصوروا إلههم أنه الجبار الدموي. وحتى سليمان يخدم ربه بهذا الأسلوب "فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها". جاء عيسى فتبرأ من كل هذه المجازر ونادى بالحب والتزم أتباعه في البداية بالحب والرحمة وبشروا أن مملكة الرب في السماء. ولم يهتموا بإقامة حكومة دينية على الأرض. إلى أن جاء قسطنطين وعقد مجمع نيقية لعلماء النصارى. ثم أصبحت النصرانية التي حددها المجمع هي دين الدولة وكل ما عداه خارج على الدولة ويجب تصفيته.

وجاء الإسلام وأنشأ دولته في المدينة وكانت دولة راشدية هي الحكومة الدينية الأولى التي لم تقتل الناس من أجل دينهم وأفكارهم. ومع ذلك فقد قتل اثنان من الراشدين أي نصفهم بسبب الاختلاف على: كيف تكون الحكومة الدينية؟

ثم انفجرت الحروب الصليبية لتعرض علينا مقدار شناعة الحروب الدينية. وأن أتباع الأنبياء كانوا يظنون باستمرار أن الله يأمرهم أن يقاتلوا الآخرين ويفنوهم من الأرض.

فهل أمر الله فعلاً بتصفية الكافرين؟ لماذا قال لنا إذن "لا إكراه في الدين"؟

لا بد من دراسة آيات القتال في القرآن دراسة تاريخية ضمن ظروفها وملابساتها ولكن العالم الإسلامي يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض لأنه عجز عن هذه الرؤية التاريخية. فهو يلغي "لا إكراه في الدين" و"ادخلوا في السلم كافة" و"كفوا أيديكم" و" و"فاعفوا واصفحوا" و"ادفع بالتي هي أحسن" و"لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم".

والقرآن يقول: "إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون". ويقول "وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه" ويقول لمحمد ص "وان احكم بينهم بما انزل الله".

هل يعني ذلك إقامة حكومة يهودية لليهود ونصرانية للنصارى ومسلمة للمسلمين؟ وكيف يمكن أن يحدث هذا في بلد واحد يضم مواطنين من الأديان الثلاثة؟

إن تاريخ أوربا منذ الحروب الصليبية حتى الآن يعرض باستمرار الحروب الدينية بين المذاهب المختلفة وحتى في الدين الواحد. وانظر إلى ما يجري حتى الآن بين بريطانيا وايرلندا. فكل طرف يريد أن يجعل الحكم لمذهبه وكل حزب بما لديهم فرحون. والآخر هو الشيطان.

من الواضح أن المآسي علمت الشعوب الأوربية أن تعيد النظر وتفكر في مصالحها وما ينفع الناس بعيدا عن المذاهب والنعرات الدينية. وتركت لكل إنسان حريته في الإيمان بما يشاء من الأديان.

ولكن المتحمسين من المسلمين يقولون: لكن الحكومة الإسلامية مختلفة عن ذلك إنها ترفع الظلم عن الناس وتمنحهم الأمن والعدل؟ والسؤال من هي الحكومة الإسلامية؟ أهي السلفية أم المذهبية؟ أهي السنية أم الشيعية؟ أهي التي ظهرت في بنغلادش أم أفغانستان وإيران؟

أما من سبيل لإيقاف هذه المآسي والمجازر التي ترتكب باسم الدين وطلبا لرضى الله. وكل ما يجري في العالم الإسلامي يقول كل حزب بما لديهم فرحون. ولكن الله غير حزبي ولا يتحزب.

وبالمقابل فإن الحكومة المدنية تسمح بالمعارضة وبوجود أحزاب متعددة. أما الحكومة الدينية فإنها تعتبر المعارضة والاختلاف معها خروجا من الدين وكأن الذي يعترض عليها يعترض على الله. لأنها تعتبر نفسها تمثل حكم الله. سيقولون الله أمرنا بأن نحكَّم شرع الله؟ حسناً ولكن ما هو "ما أنزل الله؟ إنه "لا إكراه في الدين" فهذا الآيات وأمثالها تمثل مبادئ قرآنية يسميها علماء الشريعة مقاصد الشريعة. وهي مبادئ لا يرفضها أحد من الناس مهما كان كافرا. فلماذا لا يدعى الناس على اختلاف أديانهم إلى حكومة تتبنى هذه المبادئ ويتولى شئونها مخلصون متخصصون في السياسة والاقتصاد والاجتماع والصحة النفسية والجسمية. وتكون الحكومة مسئولة ومحاسبة أمام شعبها عن صلاحيتها وأحكامها. ويترك كل إنسان ليختار من الأديان ما يشاء مع ضمان حرية الرأي وحرية الدعوة للأديان. إن الحكم بهذه المبادئ سيكون حكما بالإسلام وبكل الأديان السماوية.

إن دارس قصة الحضارة يتأمل في المذاهب والأديان التي تتالت على البشرية فيجد أنها اتفقت على أساس كبير واحد أن "تحب لأخيك ما تحب لنفسك؟" والإسلام قال: يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم. أي أن لا يكون أحد فوق القانون.

إن أجمل تعريف للشريعة وضعه ابن قيم الجوزية حينما اعتبر أنه" فحيث العدل فثم شرع الله" وعندما نرى محاسبة توني بلير من مجلس العموم البريطاني في صيف 2003 على التورط في حرب العراق بمعلومات كاذبة في الوقت الذي يستعطف مواطنون عرب حكوماتهم أن يمنحوا أولادهم من الجيل الثالث جوازات سفر يصبح السؤال الجدي أين شرع الله؟ إنه سؤال مزعج ولكن لا بد منه؟

خالص جلبي

كاتب سوري