الانتخابات اللبنانية، إجراؤها معضلة وتأجيلها معضلة أخطر

الكل يراهن على تغيير الأسد أو بقائه

بيروت ـ تهدد خلافات عميقة حول القانون الانتخابي بتأجيل الانتخابات النيابية المقرر ان تجري في لبنان بعد ثلاثة اشهر.

ويولّد هذا التأجيل المحتمل، خشية من زعزعة اضافية لاستقرار هذا البلد المفتوح على تأثيرات النزاع في سوريا.

ورغم فتح باب الترشح الاثنين للانتخابات المقررة مبدئيا في التاسع من حزيران/يونيو، لم يتم تسجيل أي ترشيح حتى الان لدى وزارة الداخلية، مع عدم اتفاق الاطراف السياسيين على نوع القانون والتقسيمات الانتخابية التي ستجرى على اساسها الانتخابات.

وينقسم السياسيون في هذا البلد ذي التركيبة السياسية والطائفية الهشة، بين مؤيدين للنظام السوري ابرزهم حزب الله الشيعي الذي يتمتع وحلفاؤه بالغالبية الحكومية، ومعارضين لدمشق ابرزهم رئيس الحكومة السابق السني سعد الحريري، ويلقون دعما من السعودية والولايات المتحدة.

وانعكس النزاع السوري توترات في لبنان، الذي خبر حربا اهلية مدمرة بين العامين 1975 و1990، وحظيت فيه دمشق بوجود عسكري ونفوذ سياسي واسع منذ العام 1976.

وتقول الدكتورة فاديا كيوان، مديرة معهد العلوم السياسية في جامعة القديس يوسف، ان الاطراف اللبنانيين "مرتبطين مباشرة وبشكل استراتيجي بما يجري في سوريا، وكل منهم يراهن على تغيير النظام في دمشق او بقائه".

وتضيف "لكن من الواضح ان الامور في سوريا ستطول، وثمة ضغط دولي (على الاطراف اللبنانيين) لاحترام المهل القانونية المتعلقة بإجراء الانتخابات".

ويركز السفراء الأجانب المعتمدون في بيروت على ضرورة اجراء الانتخابات، لكن مواقفهم تتفاوت بين حتمية اجرائها في موعدها ايا يكن القانون، وبين البحث عن "توافق" يضمن الا تؤدي الانتخابات الى توترات.

فقد شجعت سفيرة الولايات المتحدة مورا كونيللي، لبنان على اجراء الانتخابات في موعدها"، حتى لو لم يتم الاتفاق على قانون جديد.

وفي ما بدا ردا ضمنيا على السفيرة الاميركية، تمنى نظيرها الروسي الكسندر زاسبكين الذي تعد بلاده ابرز حلفاء النظام السوري "اجراء الانتخابات البرلمانية في لبنان بتوافق وليس بأوامر من الخارج"، لأن الانتخابات "يجب ان تخدم الاستقرار".

وبات الوضع في سوريا احد العوامل المحددة للانتخابات اللبنانية. وتقول كيوان ان المجتمع الدولي "يخشى من انزلاق الوضع في لبنان كما هو الحال في سوريا، وان تدخل البلاد مجددا في اتون الحرب الاهلية".

وتضيف "لا مصلحة لسوريا بإجراء انتخابات (في لبنان)، وهي تريد ان يبقى الوضع معلقا فيه لتتمكن من ممارسة الضغوط" عبر حلفائها في الحكومة التي تعتمد رسميا مبدأ "النأي بالنفس" تجاه الازمة السورية.

من جهتها، تبدو المملكة العربية السعودية قلقة من عدم جلاء صورة ما يجري في سوريا، وهو ما يمكن ان يجعل حلفاءها في موقع لا يحسدون عليه في حال فوزهم.

وتؤكد كيوان انه "عندما تجرى الانتخابات في جو من عدم الوضوح، يصبح الوضع الراهن هو الافضل للطرفين.. لكن هذا الوضع يمكن ان يصبح غير قابل للإدارة ويشتعل في اي وقت".

ويقسم مجلس النواب اللبناني بمقاعده الـ128 مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، بحسب الدستور المعدل الذي انبثق عن اتفاق الطائف الذي وضع حدا للحرب الاهلية.

ومنذ الانتخابات الاولى بعد الحرب في العام 1992، تبدلت القوانين مع كل دورة انتخابية، غالبا بحسب تبدل التحالفات بين القوى السياسية المرتبطة بتكتلات طائفية.

وتقول كيوان ان "اللبنانيين اعتادوا ان يلائموا النصوص لتتوافق مع واقعهم".

وفي ما يتعلق بالانتخابات المقبلة، طرحت على بساط البحث ستة قوانين انتخابية على الاقل، منها "قانون اللقاء الارثوذكسي" الذي ينص على انتخاب كل طائفة لممثليها.

والمشروع الذي اثار جدلا واسعا في لبنان، هو الوحيد الذي اقرته اللجان النيابية، لكنه لم يعرض بعد على الهيئة العامة لمجلس النواب للتصويت عليه واقراره.

وتحفظ العديد من القوى السياسية على هذا المشروع لأنه يعمق الانقسام في البلاد، ولا سيما منها كتلة "المستقبل" النيابية بزعامة الحريري، والحزب التقدمي الاشتراكي الذي يرأسه الزعيم الدرزي وليد جنبلاط.

في المقابل، يحظى المشروع بمباركة البطريركية المارونية، وموافقة الغالبية العظمى من الاطراف السياسيين المسيحيين الذين وضعوا جانبا انقسامهم في القضايا السياسية اليومية، وتوحدوا حول القانون الذي يرون انه يعيد تحقيق التوازن السياسي في البلاد.

وتشير كيوان الى انه لا مفر من التسوية للاتفاق على قانون انتخابي، وقد يتم على الارجح الاتفاق على قانون مختلط قائم على النظام الاكثري والنسبي. لكن ذلك يتطلب حكما تأجيل الانتخابات للسماح للمرشحين بتحضير معاركهم.

وتقول "نتجه الى تأجيل تقني لمدة ثلاثة اشهر، لما بعد الصيف".