على خطى اليهود... مسيحيو العراق يهجرونه

أي مستقبل للمسيحيين العرب وسط الخريف الإسلامي؟

بغداد - يقلب القس بيوس قاشا صفحات كتاب يتناول الهجوم على كنيسة سيدة النجاة في بغداد محاولا تذكر اسماء ضحايا جريمة سرعت في هجرة المسيحيين من بلاد تقلصت اعدادهم فيها الى الثلث منذ اجتياح العام 2003.

ويقول راعي كنيسة مار يوسف للسريان الكاثوليك في مكتبه داخل الكنيسة الواقعة في منطقة المنصور في غرب بغداد ان هذا الهجوم شكل "كارثة حلت بالمسيحيين وقصمت ظهر وجودنا في هذا البلد (...) وادت الى افراغ البلد" من المسيحيين.

ويضيف "ربما سنتبع اخواننا اليهود" الذين كان يبلغ عددهم نحو 120 الفا وغادروا العراق بعد قيام الدولة العبرية عام 1948.

وفي 31 تشرين الاول/اكتوبر 2010 اقتحم عدد من المسلحين كنيسة سيدة النجاة للسريان الكاثوليك الواقعة في منطقة الكرادة وسط بغداد وقتلوا 44 من المصلين بالاضافة الى كاهنين وستة من عناصر الامن.

وتبنى تنظيم "دولة العراق الاسلامية" الفرع العراقي لتنظيم القاعدة، الهجوم الذي نفذ خلال القداس قبل ان يحكم على ثلاثة اشخاص بالاعدام اثر ادانتهم بالتورط في الهجوم.

وشكل هذا الهجوم الدامي حلقة من سلسلة هجمات استهدفت المسيحيين منذ بداية الاجتياح العسكري للعراق على ايدي قوات التحالف.

وتشير ارقام كنسية الى ان نحو ستين كنيسة من بين عشرات الكنائس ودور العبادة استهدفت في العراق منذ 2003، فيما ادت هذه الهجمات الى مقتل اكثر من 900 مسيحي عراقي واصابة نحو ستة آلاف بجروح.

ويقول بطريرك الكنيسة الكلدانية لويس ساكو "كانت هناك 300 كنيسة في العراق ولم يبق منها سوى 57، وحتى المتبقية فهي معرضة للاستهداف".

وساهمت هذه الهجمات وخصوصا جريمة سيدة النجاة في دفع المسيحيين الذي يشكلون 2 بالمئة من اعداد السكان نحو الهجرة الى الخارج بعيدا عن بلاد يحكم شوارعها العنف اليومي العشوائي منذ حوالى عشر سنوات.

ويرى قاشا ان "اوضاع المسيحيين منذ 2003 وحتى الان تتجه نحو الضياع"، مشددا على ان "اهم اسباب المعاناة هي الظروف الامنية والبطالة" التي تقارب الـ11 بالمئة وفقا للاحصاءات الرسمية لعام 2011 والى 35 بالمئة بحسب ارقام غير رسمية.

ويتابع قاشا "كانت لدينا 1300 عائلة في كنسيتنا، ولم يبق اليوم سوى 400 الى 500 عائلة فقط".

وتوضح من جهتها وزيرة الهجرة والمهجرين السابقة باسكال وردا ان "الكثير من الشباب المسيحيين يريدون الهجرة وعندما اسألهم لماذا، يقولون \'وفري لنا العمل لنعيش والامان لنبقى\'، هنا اصمت واعجز عن الاجابة".

ويتوزع المسيحيون على محافظات بغداد ونينوى وكركوك، وكذلك دهوك واربيل في اقليم كردستان الذي يتمتع بحكم ذاتي، وتتواجد اعداد محدودة منهم في محافظة البصرة في جنوب العراق.

ويقول رئيس "منظمة حمورابي لحقوق الانسان" وليام وردا ان "السنوات العشر الاخيرة كانت الاسوأ على مسيحيي العراق لانها شهدت اكبر حالة نزوح وهجرة لهم في تاريخ العراق".

واكد وليام وردا ان عدد المسيحيين انخفض من حوالى مليون و400 الف في 2003 الى قرابة نصف مليون حاليا، ما يعني هجرة اكثر من ثلثيهم.

وكان تقرير نشرته منظمة حمورابي نهاية عام 2011، تحدث عن نزوح 325 الفا مسيحي من منازلهم الى مناطق اخرى داخل البلاد خلال الفترة ذاتها.

وفي البصرة، يؤكد عماد عزيز احد مسؤولي الكنيسة الكلدانية في المدينة الجنوبية، انه لم يبق في البصرة سوى 450 عائلة مسيحية بعد ان كان عددها 1150 عام 2003.

ويقيم المسيحيون في العراق مع باقي مكونات المجتمع علاقات طيبة تمتد الى مئات السنين، ويمثلهم وزير واحد في الحكومة العراقية وخمسة نواب في البرلمان المؤلف من 325 نائبا.

كما يشغل ممثلون عنهم ثلاثة مقاعد في مجالس محافظات بغداد ونينوى والبصرة.

وتشير وثائق تاريخية الى ان المسيحيين كانوا من الاوائل الذين عاشوا في العراق، وبحسب حنا فان المسيحيين موجودون في بلاد ما بين النهرين منذ نهاية القرن الاول ميلادي وبداية القرن الثاني.

ولا يرتبط قلق المسيحيين في العراق بما يحدث في البلاد فقط اذ يثير مخاوفهم تصدر الاسلاميين المشهد السياسي في عدد من هذه الدول العربية، وكذلك بوادر صراع كبير بين السنة والشيعة.

وكان راعي خورنة مار يوسف في بغداد الاب سعد سيروب حنا قال ان "السنوات القادمة ستكون صعبة جدا على الجماعات المسيحية في الشرق الاوسط والوطن العربي (...) اذ ان الجميع امام تحد يكمن في مدى المحافظة على هذه الجماعات وصون حقوقها وخصوصيات دياناتها وتقاليدها".

واوضح "لا اعرف كم من النضوج متوفر لدى قادتنا وسياسيينا واصحاب ثورات الربيع العربي حتى يتفهموا هذا التحدي ويجعلوه ممرا لخير وبناء الوطن".