هل ينفجر قدر الضغط التونسي بوفاة 'الخذري'؟

رسالة لا تقبل اللبس لحكومة النهضة

تونس - توفي فجر الاربعاء بمستشفى الاصابات والحروق البليغة في ولاية بن عروس (جنوب العاصمة) شاب تونسي عاطل عن العمل احرق نفسه الثلاثاء في قلب العاصمة تونس.

وقال عماد الطويبي المدير العام للمستشفى لوكالة الصحافة الفرنسية "توفي الشاب فجر اليوم على الساعة الخامس و النصف (30،04 تغ) متاثرا بحروقه البليغة".

وقال أستاذ العلوم الاجتماعية بالجامعة التونسية عادل النفاتي "إن هذه الحادثة تؤكد أن الشباب التونسي لم يجن من حكومة النهضة سوى المزيد من الإحباط والشعور بالحرمان والتهميش"، مضيفا "أن يقدم شاب على محاولة الانتحار بعد مضي أكثر من سنتين على ثورة قامت ضد الفقر والتهميش هو مؤشر على أن هناك إمكانية انتفاضة شعبية قادمة بعد أن يئس آلاف الشباب من الوعود دون أن تتم معالجة مشكلة البطالة معالجة جدية وناجعة".

وبرأي النفاتي فإن محاولة الانتحار في شارع الحبيب بورقيبة الذي احتضن ثورة 14 يناير/ كانون الثاني 2011 تحمل الكثير من الدلالات ليس أقلها أن الشباب الذي أطاح بنظام الرئيس بن علي مستعد لقيادة انتفاضة شعبية ثانية بعد أن يئس من أداء حكومة النهضة التي وعدت بالكثير ولم تنجز شيئا يذكر".

واعتبر الباحث في العلوم السياسية والناشط في الحزب الجمهوري رشيد كمون أن "محاولة الانتحار صبيحة يوم منح المجلس التأسيسي الثقة لحكومة علي لعريض تعد رسالة قوية للائتلاف الحاكم وللنهضة بالتحديد على أن قطاعات واسعة من الشباب التونسي المحروم والمهمش مازال مستميتا في الدفاع عن حقه في الشغل وفي التنمية".

وأضاف كمون "على حكام تونس أن يتلقوا الرسالة وأن يفهموا أن شرعيتهم مهزوزة وأن الكثير من التونسيين لا يثقون فيهم بعد أن جربوا حكمهم واقتنعوا أن همهم الوحيد هو توزيع المناصب والكراسي وليس الإصغاء لمطالب العاطلين والفقراء".

ومن جهته شدد أستاذ علم النفس الاجتماعي بالجامعة التونسية نوفل النيفر على أن "محاولة انتحار الشاب عادل خذري تعكس أن النسيج الاجتماعي التونسي تعصف به حالة من الهشاشة اخترقت البنية النفسية للأفراد الذين أنهكهم الإحباط نتيجة انسداد الآفاق أمامهم".

وأضاف النيفر "لقد صبر الشباب العاطل والمحروم كثيرا على فشل السياسيين الحاكمين في توفير الحلول العملية لمطالب حياتية ضرورية غير أن معنوياته اليوم انهارت أو تكاد تنهار وليس أمامه سوى الانتحار أو الانتفاض من جديد لتعود تونس إلى المربع الأول، إلى حادثة انتحار محمد البوعزيزي".

وأضرم الشاب العاطل عن العمل النار في نفسه صباح الثلاثاء في قلب العاصمة تونس قبل ساعات من عقد البرلمان جلسة عامة لمنح الثقة لحكومة جديدة ينتظر منها اقرار اجراءات عاجلة لمشاكل اجتماعية واقتصادية متفاقمة.

وسكب عادل الخذري (27 عاما) الوقود على نفسه واضرم في جسمه النار امام مقر المسرح البلدي بشارع الحبيب بورقيبة الرئيسي وسط العاصمة في حادثة هي الاولى من نوعها بهذا الشارع الذي يعتبر رمزا للثورة التونسية التي اطاحت مطلع 2011 بنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

وقال شهود عيان لمراسلة وكالة الصحافة الفرنسية ان الشاب صرخ بصوت عال قبل ان يضرم النار في نفسه قائلا "هذا هو الشباب الذي يبيع السجائر، هذا ما تفعله البطالة (..) الله اكبر".

واثارت كتلة اللهب الكبيرة التي انبعثت من الشاب المحترق هلع المارة وسائقي السيارات الذين سارع بعضهم ووسط الصراخ الى اطفاء النيران باستعمال ملابسهم.

وقال منجي القاضي الناطق الرسمي باسم جهاز الحماية المدنية (الدفاع المدني) ان الشاب الذي نقل الى مستشفى الحروق البليغة بولاية بن عروس (جنوب العاصمة) "اصيب بحروق من الدرجة الثالثة على مستوى الظهر وخلف الراس" وانه "لا خطر في الوقت الحالي على حياته، لكنه سيبقى تحت المراقبة الطبية في المستشفى".

واوضح ان الشاب المنحدر من منطقة سوق الجمعة من ولاية جندوبة (شمال غرب) كان يعاني من الاحباط بسبب وفاة والده منذ اربع سنوات والحالة المادية "المتعبة" لعائلته اي امه واشقائه الثلاثة.

من جهته قال خالد طروش الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية ان الشاب قدم الى العاصمة منذ اشهر بحثا عن عمل وانه يعاني من تأزم نفسي بسبب اوضاعه الاجتماعية السيئة.

ونقلت وكالة الانباء التونسية عن شهود ان الشاب يعمل بائعا للسجائر في سوق المنصف الباي (وسط العاصمة) وانه "تمت مضايقته في المدة الاخيرة من قبل أعوان الشرطة الذين يقومون بحملة ضد الباعة المتجولين وباعة السجائر".

واعلنت اذاعة "كلمة" الخاصة نقلا عن خال الشاب ان الاخير يعاني من مرض في المعدة وانه طلب منذ اكثر من عام من السلطات تمكينه من بطاقة علاج مجاني (تسند للفقراء) لتلقي العلاج في مستشفى حكومي الا انه لا يزال ينتظر الرد.

واضاف ان الشاب يعمل بائعا للسجائر وقرر التوجه الثلاثاء الى وزارة الداخلية بهدف ايجاد حل لمشكلته.

وينتشر في العاصمة تونس مئات من الباعة المتجولين الذين ينشطون في بيع سلع مستوردة من الصين او الخضر والغلال او السجائر...

ويطالب نحو 500 بائع متجول السلطات بتخصيص سوق منظم لهم وسط العاصمة تونس. وفي 2012 تظاهرت اعداد من هؤلاء امام مقر الحكومة للمطالبة بتلبية مطالبهم.

وكانت شراراة الثورة التونسية انطلقت عندما اضرم البائع المتجول محمد البوعزيزي (26 عاما) النار في نفسه يوم 17 كانون الاول/ديسمبر 2011 بمركز ولاية سيدي بوزيد (وسط غرب) احتجاجا على مصادرة الشرطة البلدية عربة الفاكهة والخضار التي كان يعيش منها.

ورغم مرور اكثر من عامين على الاطاحة بالرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، تفاقمت المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي كانت السبب في الاطاحة بنظام بن علي. كما تتواصل بمختلف انحاء البلاد الاحتجاجات على تردي ظروف المعيشة والبطالة والغلاء.

وفي ايلول/سبتمبر 2012، كشف المعهد الوطني للاحصاء (حكومي) في أحدث إحصائيات له حول معدلات الفقر في تونس أن حوالي مليون ونصف مليون تونسي من اجمالي 10 ملايين ونصف مليون ساكن يرزحون تحت خط الفقر.

واعلن المعهد نفسه مؤخرا ان نسب البطالة في البلاد تراجعت سنة 2012 بأكثر من نقطتين الى 6،17 بالمائة الا انها لا تزال مرتفعة.

وتتخبط تونس منذ اشهر في ازمة سياسية اججها الشهر الماضي اغتيال المعارض اليساري شكري بلعيد (48 عاما) المناهض لحكم الاسلاميين واستقالة حمادي الجبالي الامين العام لحركة النهضة من رئاسة الحكومة.

ومن المقرر ان يصادق المجلس التأسيسي (البرلمان) عصر الثلاثاء على منح الثقة لحكومة جديدة برئاسة علي العريض القيادي في حركة النهضة ووزير الداخلية في الحكومة المستقيلة.