عندما يمثل لبنان ايران... في الجامعة

كشف وزير الخارجية اللبنانية ان وزارته ليست سوى ملحقية في السفارة الايرانية... او السفارة السورية في بيروت، لا فارق. بالنسبة اليه، لبنان ليس سوى تابع للمحور الايراني- السوري الذي تقوده طهران وتوجهه من بعد احيانا وبشكل مباشر في احيان اخرى.

ما صدر عن السيّد عدنان منصور في مجلس جامعة الدول العربية، قبل بضعة ايّام، امر في غاية الخطورة. انّه دليل على ان لبنان صار مستعمرة ايرانية وانه يشغل المقعد الايراني في الجامعة وذلك في غياب القدرة لدى ايران على فرض وجودها في هذه المؤسسة او ان تكون على الاقلّ عضوا مراقبا فيها. الم تحاول ايران في الماضي ان تكون حاضرة في جامعة الدول العربية او في مجلس التعاون لدول الخليج العربية بصفة عضو كامل... او عضو مراقب، في حال لم يحالفها الحظ في ذلك؟

لم يعد في استطاعة وزير الخارجية اللبنانية الخروج عن منطق معيّن. يمكن اختصار هذا المنطق بأنّه منطق اللامنطق. كيف يمكن لوزير الخارجية اللبنانية الدعوة الى اعادة النظر في تعليق مشاركة النظام السوري في اجتماعات مجلس الجامعة ونشاطاتها، في حين يتبيّن كلّ يوم ان هذا النظام يقتل شعبه وان لا هدف له سوى تفتيت سوريا، الدولة العربية العضو المؤسس لجامعة الدول العربية، والقضاء على الكيان الذي استقلّ في العام 1946؟

ينفّذ وزير الخارجية اللبنانية سياسة، لا علاقة لها سوى باستخدام لبنان بصفة كونه "ساحة" للنظامين الايراني والسوري لا اكثر. تقوم هذه السياسة على ركيزتين. الاولى تكريس البلد محمية ايرانية والاخرى تبرير مشاركة "حزب الله"، الذي ليس سوى لواء في "الحرس الثوري" الايراني، في المعارك التي يخوضها النظام السوري مع شعبه المظلوم.

من هذا المنطلق، لا معنى لكلام رئيس مجلس الوزراء اللبناني السيد نجيب ميقاتي عن التمسّك بسياسة النأي بالنفس. كلّ ما يستطيعه رئيس الحكومة اللبنانية السنّي عمله، وهذا ما يعمله بالفعل، هو توفير الغطاء اللازم لانخراط لبنان في سياسة تصبّ في دعم النظام السوري، وهو نظام اقلّوي، لا شرعية له بأي شكل، تنفيذا لاملاءات ايرانية وسورية. انها الاملاءات التي اتت به الى الموقع الذي يحتله.

ما نشهده اليوم في لبنان يتجاوز بكثير مواقف وزير للخارجية يريد ان يثبت ان النظام السوري لم يفقد صوته في مجلس جامعة الدول العربية وأنّ هذا النظام لا يزال قادرا على الادلاء بوجهة نظره. تقوم وجهة النظر هذه على ان بشّار الاسد يخوض حربا على "الارهاب" في حين يعمل حقيقة على تفتيت سوريا ونقل حربه على الشعب السوري الى لبنان والى دول الجوار الاخرى، بما في ذلك المملكة الاردنية الهاشمية.

بكلام اوضح، المشكلة ليست في كلام وزير الخارجية اللبناني بمقدار ما انها في من وضع في فمه هذا الكلام الذي اعتبره "حزب الله" معبّرا عن موقف الحكومة اللبنانية. فكلام الوزير يخفي اللعبة الايرانية التي تستهدف جعل لبنان خارج الاطار العربي. اكثر من ذلك، تستهدف اللعبة زج لبنان في الحرب السورية عن طريق ارسال "حزب الله" مقاتليه الى حمص وجوارها بغية تأمين ممر آمن يربط ما يسميه اللبنانيون دويلة "حزب الله" في سهل البقاع اللبناني، اي منطقة الهرمل، بالدولة العلوية المفترضة على طول الساحل السوري. وهذا ما يفسّر الى حدّ كبير عودة كلّ التركيز في الاسابيع القليلة الماضية على تفريغ حمص من اكبر نسبة ممكنة من سكّانها. يحصل ذلك من منطلق أن المطلوب تدمير حمص وتهجير اهلها نظرا الى الاهمية الاستراتيجية للمدينة من جهة وكون الاكثرية فيها سنّية من جهة اخرى.

ليس سرّا ان زجّ ايران لـ"حزب الله" في الحرب السورية ترافق مع التهديدات التي وجهت الى الخليجيين كي يمتنعوا عن زيارة لبنان. وليس سرّا أن "حزب الله" يبذل كل جهد لابقاء الحكومة الحالية، التي هي حكومته، حتى ولو بشكل حكومة تصريف للاعمال. ولم يعد سرّا أنّ "حزب الله" حرّك ادواته اللبنانية، على رأسها النائب المسيحي ميشال عون، لمنع حصول انتخابات نيابية في موعدها، اي في التاسع يونيو (2013) المقبل.

ما اعلنه وزير الخارجية اللبنانية يكشف الى حدّ كبير خطورة ما يتعرّض له لبنان. وهذا ما على العرب عموما اخذه في الاعتبار. من حسن الحظ، يبدو انهم بدأوا يدركون ذلك. الدليل تحذيرهم المباشر من أنّ المواقف الصادرة عن حكومة "حزب الله" يمكن ان تضرّ بمصالح البلد وباللبنانيين العاملين في دول الخليج العربي.

انّها من دون شكّ ايام صعبة يمرّ فيها لبنان، خصوصا انه يتبيّن كلّ يوم ان الحكومة الموجودة هي "حكومة حزب الله" وانها صناعة ايرانية وانها وجدت اصلا لخدمة سياسة محددة.

تقوم هذه السياسة على استعداد ايران لدعم مشروع الدولة العلوية في سوريا بعدما تبيّن لها ان النظام القائم سقط عمليا وان خروجه من دمشق مسألة محسومة، حتى لو استغرق الامر اشهرا اخرى. مشكلة لبنان، في تحوّله بفضل حكومته المصونة جزءا لا يتجزّا من هذه السياسة، المدعومة من روسيا ايضا، والقائمة على حلم... او وهم اكثر من اي شيء آخر. انه حلم انشاء الدولة العلوية من جهة والقدرة على توفير الدعم لها انطلاقا من لبنان من جهة اخرى. هذا كلّ ما في الامر. الباقي تفاصيل لا اكثر ولا أقلّ!