لقاء مع صديق يهودي قديم

أسميه صديقي القديم بالرغم من أني لم أعرفه ولم ألتق به من قبل، أما فارق العمر بيننا فيتجاوز الثلاثين عاما ً لكنه بالرغم من ذلك يبقى صديقي لأني أحسست بأن هناك أشياء كثيرة مشتركة بيننا، أولها لون البشرة الحنطي، وثانيها اللغة العربية التي يتقنها بالرغم من غيابه عن الوطن لأكثر من خمسين عاما ً، وأخيرها وليس آخرها قصة الهجرة المشتركة بيننا. فكلانا هاجر أو هجّر رغماً عنه، وكأن هذا الوطن يفرط بنا، نحن أبناءه الذين نفترق عند طرقات الأرض، نسأل عن وطن ضاع منا، لكننا في الحقيقة نحمله في حقائبنا، أينما حللنا، ونفترشه على أرصفة المحطات الثلجية فنشعر بالدفء حين يغطينا.

لقد جاء ضيفاً على الجامعة يلقي محاضرة عن الديمقراطية في تركيا وإمكانية تطبيقها في مصر. لقد كان عالم الإجتماع العراقي البروفيسور سامي زبيدة واسع المعرفة مطلع على التفاصيل السياسية والثقافية والاجتماعية والدينية في الشرق الأوسط، وكان يجيب على الأسئلة المطروحة بطريقة تنم عن سعة في الإطلاع ونظرة ثاقبة للمستقبل. في وقت الإستراحة وقبل وقت طرح الأسئلة سألته هل تتقن العربية فقال بأنها لغته الأم، وقرأ أبياتا من الشعر من قصيدة نهج البردة لكعب بن زهير بلسان عربي طليق بعد أن سأله أحدهم عن التشدد والإنفتاح في الرؤية الإسلامية لجسد المرأة بين الماضي والحاضر.

سألته مجددا ً عن العراق فقال أنا من بغداد ولكن تركتها منذ زمن بعيد. في تلك اللحظة رأيت نفسي بلا وطن في العشرين أو الثلاثين سنة القادمة من عمري أبحث عنه في صور قديمة ولغة يتحدث بها شخص هنا أو هناك. وكما قرأت عنه، فالرجل يهودي الأصل ذو ميول يسارية، أو ربما هو من أولئك اليهود اليساريين الذين رفضوا الذهاب إلى إسرائيل وفضلوا العيش في لندن ونيويورك. قلت له هل ستذهب إلى بغداد يوما ما، فقال لا، كيف والوضع السياسي لم يستقر بعد ولايبدو بأنه سيستقر في الوقت الحالي. قلت له ستأتي معي إلى البيت حيث ستأكل الدولمة فضحك كثيرا ً وقال في فرصة قادمة فأنا مدعو من الجامعة وهم تكفلوا بكل شيء.

في هذا اللقاء القصير، تجتمع هناك قصتان، قصة الوطن الجريح وقصة الهجرة التي جمعتنا. كل يوم في رحيل، نحن كالطيور نهاجر إلى كل مكان إلا الوطن. ولكن، حتى الطيور لها أعشاش كما يقول مظفر النواب. لقد رحُل اليهود بحجج واهية وبلعبة سياسية حقيرة ليتركوا وطنا عمروه حين عاشوا فيه آلاف من السنين، خسروا الوطن وخسرهم الوطن بخسارة تراثهم وعقولهم ورؤوس أموالهم.

أما ما بعد ذلك، فقد بدأ موسم الهجرة إلى كل مكان من هذا الوطن بحجج كثيرة، وكأن هذا الوطن يطرد أبنائه. لم يكن موسم واحدً للهجرة ولا كانت هناك وجهة واحدة كالشمال، لم تكن تلك الهجرات كهجرة الطيب صالح في روايته موسم الهجرة إلى الشمال حيث يبحث عن الإنتقام بطريقته الخاصة. رحُل كل من يحمل جنسية تبعية بحجة الإنتماء لإيران وهم أهل البلد حيث عاشوا فيه مئات السنين. هُجر بعدهم الأكراد الفيلون ليتركوا على الحدود الإيرانية وهم عشرات الآلاف بعد أن جردوا من ممتلاكاتهم في ليلة ظلماء غابت بها نجوم السماء واختفى بها القمر ليموت منهم المئات في البرد القارص. هُجر أكراد الشمال من مناطقهم من أجل تغيير الخارطة الديمغرافية وكأنهم مصابون بمرض خطير معدي ولابد من التخلص منهم. هُجر الشيعة من مناطقهم وهُجر السنة كذلك من مناطقهم وهُجر الصابئة والمسيحيون أهل البلاد الأصليون وهُجر الناس جميعا ً على حد قول عادل الإمام في مسرحية الود سيد الشغال.

لا أعرف من منا يريد أن يعيش وحده في هذا البلد حتى يبدأ بتهجير الآخر! لماذا نريد أن نتشابه في الطعام والشراب والملبس والمأكل والثقافة والعادات والتقاليد، ألا يكفينا بإننا نتشابه بحجم أنوفنا الكبيرة رغم عدم فاعليتها، فغالبية من ألتقيهم من العراقيين مصابون بالجيوب الأنفيه معطلة أنوفهم. لماذا نريد أن نكون متشابهين وقد خلقنا الله مختلفين، أليست تلك مفارقة عجيبة! هل سنهجر أبناء قبيلتنا حين ينفذ منا أصحاب القوميات والأديان والمذاهب الأخرى كما ينفذ الغاز السائل فنضطر حينها بالإستعانة بالخشب ليمنحنا بعض الدفء.

هذه قصة وطننا الواحد الذي لانعرف أن نعيش فيه ونحن عدة قليلة من الأديان والمذاهب والقوميات المختلفة التي تناغمت في عيشها منذ الآف السنين. كيف لا وأنا أعيش في مدينة صغيرة في شمال أوروبا فيها أكثر من مئة وعشرين جنسية بمختلف أديانهم وأعراقهم ومذاهبهم وثقافاتهم، لكنهم رغم ذلك وجدوا طريقة للتفاهم فيما بينهم وعاشوا عيشة سعيدة بقليل من المشاكل. حتى عندما يركب أحدنا باص النقل وإذا بكل ممثلي الدول يركبون في هذا الباص وكأنه الجمعية العامة للأمم المتحدة.

تلك هي قصة الوطن الذي لم نستطع أن نتفاهم ونتقاسم فيه معيشتنا فهل نتعظ من قصص الماضين، قصص من هجروا وهم لايزالون يحملون في قلوبهم اللوعة، نعم، لوعة العودة إلى الوطن والعيش بسلام مع الآخر المختلف في الدين والعرق والقومية.