صعود الإسلام السياسي...قضاء وقطر

علاقة مريبة مع الإسلام السياسي

لئن تعتبر تيارات الإسلام السياسي قديمة باعتبار الالتباس القديم بين الديني والسياسي، إلا أن "الثورات العربية" التي اندلعت مؤخرا سرّعت في نسق صعود هذه التيارات وتحويلها من حركات تضجّ احتجاجا إلى أحزاب سياسية تمارس الحكم والسلطة.

إن قراءة سريعة لخارطة توزع وحضور تيارات الإسلام السياسي في العالم العربي تكشف أنها أصبحت طرفا قويا في معادلة الفعل السياسي العربي، ولئن يختلف حضورها من قطر إلى آخر حسب الظروف السياسية والاجتماعية لكل قطر، إلا أن الرابط بين كلّ التيارات الإسلامية -التي استحالت أحزابا في عديد الأمثلة - هو أنها استفادت أولا من "ربيع عربي" لم تسهم في صنعه بل اتقنت استقباله، اما الرابط الثاني فيتمثل في علاقتها الجيدة والحميمة مع دويلة عربيّة دعمت الإخوان في كلّ مكان لكنها حرصت –بنفس التفاني- على إبعادهم عن مجالها الضيّق، واتخذ الدعم أشكالا عديدة وكان أساسا إعلاميا بمنصة ضخمة من قبيل قناة الجزيرة، وماليا تبعا لمرابيح الريع النفطي المدرار، ودينيا باستخدام بعض رجال الدين في تمرير السياسة الخارجية وتحفيز الأفكار الإسلاموية مع إبعاد كل احتمال لمد ثوري في الدولة الخليجية الصغيرة.

سرعة التقاط نتائج ربيع عربي لم يكن على شاكلة الثورات التقليدية التي توضع لها خطط واستراتيجيات، تضافرت مع الدعم الكبير التي تتلقاه حركات الإسلام السياسي وأساسا جماعات الإخوان من الدويلة المشار إليها، مما أدى إلى التسريع في صعودها وهيمنتها على الساحات السياسية العربية، مع ملاحظة أن "الدعم" السياسي والمالي تواصل واستمرّ حتى بعد انقضاض هؤلاء على مقاليد السلطة في مصر وتونس.

لماذا تدعم دولة صغيرة أحزابا وجماعات دينية وتبارك وصولها إلى السلطة، وفي نفس الوقت تبعد خطر الثورة وصداع الإخوان عن أراضيها؟

لفهم العلاقة المريبة يجدر بنا العودة إلى أواسط تسعينيات القرن الماضي، ففي عام 1995 –وبعد عام واحد من الإطاحة بوالده- أسس أمير قطر فضائية الجزيرة الإخبارية التي حظيت باعتمادات مالية ضخمة، وفي نفس الظرف تمّ تمكين عشرات الدعاة السلفيين المتشددين من الإقامة في قطر فضلا عن امتيازات مالية مجزية، وكان الهدف من الدعاة والقناة أن يخاطب هؤلاء أكثر من مليار مسلم حول العالم، وقام الاتفاق المضمر تبعا لذلك على أن يحصلوا على المال مقابل "السكوت" عن بعض القضايا.

شيخ الارتباط

المعطى الثاني الذي يتوجبُ العودة إليه والذي قد يرتبط بالأول هو أن جماعة الإخوان المسلمين في قطر قامت بحلّ نفسها تلقائيا عام 1999، بدعوى أن "دولة قطر تطبّق الشريعة الإسلامية" وبما أن الظاهرة لا تزول إلا بزوال أسبابها فقد رأى إخوان قطر –فجأة- أن أسباب وجودهم زالت بعد أن اكتشفوا أن الراعي الرسمي لهم يطبّق الشريعة. نضيف إلى هذه المعطيات وجود قاعدتين أميركيتين في قطر تكلّفها مليارات الدولارات سنويا باعتبار تكفلها بتكاليف الوجود العسكري على أراضيها.

هذه الأبعاد مجتمعة حولت قطر إلى "وكيل" محلّي لمصالح الدول الكبرى، مع انها تحاول في إطار تنفيذها لمهامها في المنطقة أن تكتسب بعدا إقليميا مؤثرا في المنطقة. ولذلك نذكر مساهمتها الفعالة بأدواتها المذكورة آنفا -المال الوفير والدعاة الذين تمت برمجتهم ومنصة الإعلام التي لا ترى إلا خارجا- في تسريع نسق الثورات العربية التي بدأت بتونس في 17 كانون الأول/ديسمبر، ثم الثورة المصرية فالليبية وغيرها، وهذا لا يعني بأية التقليل من قيمة الفعل الشعبي الجماهيري في هذه الأقطار لكن الدور القطري في إذكاء الثورات وفي المساهمة في صعود الإسلام السياسي كان واضحا.

في هذه المرحلة تواصل قطر لعب دور مؤثر في دعم و"إسناد" الحكومات الإسلامية التي قامت في مصر وتونس، وفعلت كل ما في وسعها لصعودهم إلى المؤتمر الوطني في ليبيا، وتلعب دورا "خطيرا" في سوريا بدعم التيارات الدينية التي تقاتل نظام بشّار، وتلعب أدوارا أخرى متنوعة هنا وهناك، حيث أثار نجاحها –مؤخرا- في تحرير الرهينة السويسرية المختطفة والمحتجزة في اليمن لدى جماعة قريبة من القاعدة، سيلا من الأسئلة والشكوك.

الثابت أن "الثورات العربية" كانت في منطلقها تعبيرا عن رفض شعبي عارم لمناويل تنمية فاشلة، إلا أنه تحوّل بفعل المال والإعلام والشيوخ والدعاة إلى "غنيمة" استفادت منها التيارات الدينية، وكل تلك الأدوات تملكها دويلة جعلت فئات واسعة من الناس ترى الربيع العربي "قضاء وقطرا".

عبد الجليل معالي

كاتب تونسي