تونس: أجواء الصراع السياسي وكيفية نقله إلى خلاف سياسي؟

أغلب التونسيين يعيشون تطورات مشهدهم السياسي بكثير من الانفعال والمعاناة التي تؤثر على مزاجهم وحتّى على أدائهم المهني وعلاقاتهم الاجتماعية. ورغم أنّ التونسي عاش أولى توترات المخاض الثوري على غير نهج سابق؛ وعلى الرغم من أنّه نجح في فكّ الأغلال من بين يديه وحول رقبته، فإنّه لم يُكتبْ له أن احتفل إلى يوم الناس هذا بما حقّقته يديه لأنه وببساطة لم يجد وقتا مناسبا للفرح. ولأنّ الطبقة السياسية من الموالاة والمعارضة لم تستطع أن تقود مواطنها اليوم إلى أن يأمل في غد أفضل أو أن يرى الربيع العربي ربيعا فعليّا لا تكدّر سماواته الرعود ولا تقضّ طمأنينة أرضه الزلازل.

الطبقة السياسية في تونس بَنَتْ من الثورية رأْسَمَال، وصارت تُصْدِرُ صكوكا متعدّدة فمنها ما هو للغفران على طريقة الكنيسة الكاثوليكية ؛ ومنه ما هو للتّنوير على طريقة فلاسفة الأنوار؛ ومنها ما هو للتحرير من العبودية على طريقة لوثر كينغ.

استطاعت الطبقة السياسية من اليمين ومن اليسار أن تخلق لها رَسَاميل ثورية رغم أنّ كلّ يعترفون أنّ الثورة التونسية كانت من غير زعامَات ظاهرة أو خفية.. ولكن سرعان ما نجح الساسة من تكوين رأس مال ثوري فبعضهم خلقه من سنوات السجن والمنافي؛ وبعضهم من ادعاء يوم من البطولة عصر الاستبداد؛ وجماعة خلقت رأس مالها الثوري حديثا بالظهور اليومي في وسائل الإعلام لمناقشة مواضيع غالبا ما لا تكون من صلب اهتمامات الناس؛ وكثير من الساسة صنعوا رأسمالهم الثوري من التنكيل بالحاكم الضعيف الذي يذكّرنا بحكّام الأندلس في عصر مُلوك الطوائف، حاكمٍ لسان حاله يقول: ماذا لي غيرَ السلطة لأحكم في عصر لكل الناس فيه سلطة أقوى من سلطتي؟

من عاش الصراعات الإيديولوجية في الجامعة التونسية في السبعينات وفي الثمانينات أيّام الرئيس الراحل بورقيبة، يستطيع أن يدرك أنّ الثورة نقلت التجاذبات من الجامعة إلى المجتمع خصوصا أنّ كثيرا من الفاعلين في السياسة اليوم كانوا فاعلين فيها في الجامعات أكانوا من اليساريين أو من الاسلاميين أو من القوميّين.. ولذلك تجد المواطن البسيط اليوم لا ينجح في فهْم خلفيات الصراع الإيديولوجية فيردّ الأمر، ومعه بعض الحقّ، إلى صراع من أجل "افتكاك الكرسي" و"اقتسام الغنيمة". نام الصراع أو خمد طيلة ربع قرن تقريبا وحين جاءت الثورة واستيقظت الصراعات الإيديولوجية التي كانت في نومة فصْليّة طويلة نقلت دائرة الصراعات إلى خارج أسوار الجامعة حيث المجتمع الذي تعوّد بالصوت الواحد والزعيم الواحد والحزب الواحد.

والحقّ أنّ الأطراف السياسية المتصارعة لم تنجح إلى حدّ اليوم في الخروج من الجلباب الإيديولوجي الذي لبسته داخل أسوار الجامعة لتجعله خلافا بنّاء حول البرامج والاستراتيجيات الكفيلة بتلبية مطالب المواطن البسيط الثائر أو الصامت وهي على بساطتها كثيرة كالشغل والحرية والكرامة والمساواة ما أمكن.

ليست الحلول عسيرة ولا صعبة على الفئات السياسية التي أقضت مضاجع الناس البسطاء بتبادل الاتهامات والخصومات والعنف سواء في المجلس التأسيسي أو على شاشات التلفزات، ليس عسيرا على هذه الفئات أن تعدّل من توجهاتها التي لن تكون لا في صالحها ولا في صالح البلد بأن تنظر إلى علاقتها مع مخالفيها لا على أنّها صراع بل هلى أنه خلاف أي أن تخفّض من حدة الصراع لتجعله في درجة الخلاف.

فلتخفيض حدّة الصراع إلى درجة الخلاف فإنّ من واجب كل سياسي أن يعلم بالفروق بين المفهومين وأثر تلك الفروق على الوحدة الوطنية والمصالح العامة.

الفرق بين الصراع والخلاف يكون أوّلا في الحدّة وثانيا في الأداة وثالثا في الوجود. درجة الحدّة في الصراع درجة عالية لأنّ أيّ صراع يقتضي العنفَ ويشرّع له؛ ويظهر في ذلك واضحا اليوم في توتّر الأجواء السياسية بين الساسة في منابر الإعلام وحتى في ما يعرف بالمجلس التأسيسي.وهذه مشاهد ما تزال تصدم التونسي الذي لم يألف أن يرى نخبه تتبادل العنف اللفظي وحتى المَادّي. كان المواطن العادي يعتقد أنّ العنف سلوك شاذ لا ينبغي أن يراه في المؤسسات العامة من الممكن أن يراه في الشارع لكن أن ينتقل إليه وعبر وسائل الإعلام ليعشش في شاشاته فذلك ما لم يألفه. يظهر العنفُ أيضا لدى كل من يدعو وتحت أيّة ذريعة إيديولوجية، إلى افتكاك السلطة وعدم الرضاء بنتائج صندوق الاقتراع. إنّ في الانتقال من الصراع إلى الخلاف فرصة لتجميع الفرقاء السياسيين ومن غير تشنّج حول البرامج السياسية والتنموية المختلفة والتناقش الرصين حولها وحول المبادئ والأفكار البنّاءة. وفي كلمة فإنّ انتقال الصراع السياسي في الوطن إلى خلاف سياسي هو انتقال من نزاعات تقودها الغريزة البهيمية إلى جدل يقوده الفكر وتعدّد وجهات النظر.

والفرق بين الصراع والخلاف يكمن أيضا في أداة كل منهما فالصراع يبيح استعمال أدوات لا فكرية في الغالب ولا أخلاقية دائما ولكن الخلاف أدواته فكرية ؛ ولذلك يبرر الصراعُ السياسي في تونس اليوم الاعتماد على الإشاعات والكذب وقطع الطريق وحرق المؤسسات العامة والتباهي بخرق القانون.. وكل ذلك وسائل ضاغطة حجاجية يقصد منها بيانٌ وحيد: فشل الطرف السياسي الحاكم (أيّا كانت هويّته) في قيادة البلاد. والحقّ أنّ من يَفشل هو البلد المريض الذي لن تزيده هذه الصراعات إلا وهنا على وهنه القديم.

وأخيرا فإنّ الفرق بين الصراع والخلاف يكون مسألة وجود فمن نتائج الصراع إذا ما احتدم،و لا بدّ له أن يحتدم، أن يجعل البلاد ضيعة للمنتصر يقصي منها أو يشرّد كلّ عدوّ في الصراع وقد يصل الصراع إلى أقصاه بأن يكون القتل هو المنفى الأمثل فهو لا يضمن الإبعاد عن المكان بل عن الزمان وغيره من الأبعاد المنظورة.

إنّ الصراع الذي يكون مآله النفي قديم في الثقافات المستبدّة وعانت منه الشعوب العربية وما تزال تعاني ويكفي أن نسمع إلى شاعر قديم يشكو من الحالة نفسها لنعلم عمق الأزمة وأسبابها يقول الشاعر:

لعمْرُكَ ما ضَاقت بلادٌ بأهلهَا ** ولكنَّ أخْلاقَ الرّجَال تضيقُ.

فضيق المكان كان ولا يزال من ضيق النفس السياسية الأمّارة بالسوء: أنّ الآخر العدُوّ (والمسألة مزاجية متقلبة) ليس أهلا لأن يشاركنا الوجودَ. ههنا نبتت الديكتاتورية وترعرعت وأثمرت وكثر في البلاد العربية عطاؤها.