مهرجان قصر الحصن يجمع بين السينما والمسرح والفن التشكيلي

مسرحة المكان

أن يجمع حدث جماهيري بين كافة أنواع الفنون كالتصوير والمسرح والسينما والرقص والرسم، يعني هذا أنه مهرجانٌ فني وثقافي متكامل يستحق إن توافرت له الأسباب والمقومات أن يكون حدثاً عالمياً مميزاً. وهو ما تمّ حقيقةً على أرض الواقع في مهرجان قصر الحصن بأبوظبي، حيث امتزجت ضمن فعالياته فنون التراث والمعاصرة، وفق مشهدٍ ثقافيّ استقطب مشاهديه والمهتمين من كل أنحاء الإمارات. الشيء الذي جعلهم يطالبون بتمديده لفترةٍ أطول، حتى يتسنى لهم متابعة كل فعالياته ونشاطاته.

وعلى الرغم من أن العرض المسرحي "قصة حصن، مجد وطن"، كان عالمياً بشهادة كل الحضور والمشاركين فيه على صعيد النص والعرض وطقس الفرجة الذي جمع على مقاعد الحضور أكثر من 200 جنسية. إلا أننا سنرصد هنا الحالة الثقافية والفنية التي تجسّدت خارج المسرح الرئيسي في الموقع، فظهرت من خلال صور كثيرة كان الزوَّار أبطالها الحقيقيون.

منذ بداية جولتنا في المهرجان وحتى النهاية، كانت كل زاوية فيه مشروعاً ناجحاً لصورة فوتوغرافية مميزة أو حتى لوحة نادرة تحكي قصصاً من تاريخ أبوظبي. فهنا أطفال تلعب الألعاب التراثية التي أصرّ القائمون على المشروع إعادة إحيائها، وهناك الرجال يصنعون االمراكب البحرية ومستلزمات الصيد، بينما النساء إلى جانبهن تغزل وتنسج وتصنع أغراض ومتطلبات الحياة اليومية بما في ذلك الطعام.

الصورة على أرض الواقع بدَت للجميع مسرحاً مباشراً أو تفاعلياَ في العلاقة ما بين الممثل أو المؤدي والجمهور. الأدوار متداخلة ولا مكان يفصل بين خشبة العرض وصالة الحاضرين. الجميع في ذات الفضاء ضمن ما ظهر في كثير من الأحيان "المسرح داخل المسرح". وقد أضفت عدسات المصورين من الإماراتيين والعرب والأجانب، والفلاش الذي كان ينطلق كل ثانية وفي كل مكان، أننا أمام عرض فني وثقافي يستهوي الجميع ويجمع بين أشكال فنية عديدة.

كذلك من الواضح أن الديكور العام للمشهد كاملاً، جاء مدروساً بأبعاده الفنية والهندسية. حيث قام بتصميمه وتنفيذه فنانون احترافيون أرادوا نقل الصورة الواقعية إلى ساحة المهرجان. وقد نجحوا في غايتهم، إذ أن التراث الإماراتي حيث التاريخ بشخصياته وأدواته وأماكنه، كان حاضراَ الآن وهنا عند كل رقعة وكل منظر. ولربما يمكننا الشرح أكثر عن الفكرة، عند الحديث عن القسم الساحلي أو البحري في المهرجان. ففي هذه الزاوية تمّ استخضار البحر عن طريق لعبتي الإضاءة والصوت. المركب الخشبي الحقيقي في وسط ساحة مفروشة بالرمال الصحراوية. وتموجات الأضواء جعلت منها أمواجاً بحرية ترتطم بخفةٍ وقوة. بينما صوت البحر الهادئ وصوته الهائج يتناوبان على إيقاعٍ متساوٍ عبر الإذاعة المزروعة في المكان.

كثيرون ممن اعتقدوا أنّ البحر موجودٌ فعلاً، على الرغم من وضوح الإضاءة والصوت كشريكين في استحضار هوية المكان. وزاد وجود البحارة وصناع الشباك وبائعي المحار واللؤلؤ من تجسيد هذا الجو الحقيقي أمام عيون المارة والزوار. هذا بالضبط ما يمكننا أن نطلق عليه مصطلح "مسرحة المكان".

اجتمع المسرح مع السينما والرقص والغناء في عرض "زهو الأوطان" الذي شرح قصة الحصن وبداية تاريخ الإمارات الحديث من جزيرة أبوظبي. لكن في هذا العرض عملية المسرحة بدت واضحة جداَ. فالممثلون والمؤدون يعرضون قصتهم ويجسدونها على خشبة مسرح كبير أمام جمهور واسع من الحضور. وهنا أيضاَ للإضاءة دورها، حيث عكست على جدار الحصن مشاهد مصورة، مثّلت موج البحر ورمال الصحراء وملامح جزيرة أبوظبي مع بروز مهم لمنظر الحصن. وبذلك دخل العنصر السينمائي فارضاَ نفسه بقوة كجزء ضروري لاكتمال القصة والمشهد.

كان للسينما وجودها أيضاَ عبر شاشات صغيرة موزعة بين الحارات والأقسام في الموقع تعرض أفلاماَ وثائقية قصيرة، أحدها ما شاهدناه عند دار الحناء وقد اختلط فيه التمثيل مع المشاهد الحقيقية من التراث الإماراتي. في مقطع الفيديو هذا كانت الحياة الإماراتية هي الفكرة والموضوع. الأسواق الشعبية القديمة موجودة، بباعتها وبضاعاتهم اليدوية المتنوعة. والنسوة يتجولن بين المحال ويشترين ما يلزمهن لإعداد الطعام وترتيب شؤون المنزل.

البيوت الإماراتية الشعبية هي مثال حقيقي وراسخ للديكورات المميزة داخل ساحة المهرجان. جميع الزوار التقطوا صورهم فيها أو بالقرب منها. لقد أدّت وظيفتها على أكمل وجه في استحضار روح التراث البدوي أو حتى ذلك التراث الإماراتي الساحلي. وبشكلٍ عام لم تكن هناك زاوية أو بقعة إلا وكانت فضاءً حقيقياً لعرضٍ مسرحي ما أو لقطة سينمائيةٍ ما. خاصةً مع حضور الزي التقليدي الشعبي سواء من خلال المنظمين والمشاركين أو حتى من خلال الفرق الشعبية الراقصة رجالاً ونساءً.