الغوغاء... هل أصبحت نخباً؟!

هل تقود الغوغاء النخب في العالم العربي اليوم؟ سؤال يطرح بهمس العارفين.. يتكلمون فيما بينهم ويتساءلون بصمت لأنهم خائفون من الغوغاء أن يسمعوهم، فينزلون عليهم ضرباً بالأيادي والأقدام ويشنون عليهم هجوماً ويوجهون لهم إساءات هم في غنى عنها... لكننا يجب أن نطرح السؤال بصوت عال يسمعه الجميع حتى نصل إلى نهاية لوضع غير طبيعي... فهذا الخوف من الغوغاء لم يعد مقبولاً، لأنه ببساطة يأخذنا إلى الهاوية والخسارة الفادحة.

قبل أن نواصل حديثنا يجب أن نشير إلى أننا عندما نتكلم عن النخب والغوغاء، فإننا لا نصنف الناس تصنيفاً عنصرياً أو طبقياً فالنخب ليسوا أعلى شأناً من الآخرين إلا بمعرفتهم وبأفعالهم وإنجازاتهم الحقيقية التي قدموها لمجتمعاتهم وأوطانهم، لذا استحقوا أن يوصفوا بالنخب، فهم من قدموا ما لم يقدمه غيرهم... أما الغوغاء فهم موجودون أيضاً، وهم أقلية دائماً، ولكن لأنهم يقومون بتصرفات غير منضبطة يغلب عليها الصراخ وأخذ الأمور بالقوة، لذا يبدون أنهم أكثر قوة وعدداً وتأثيراً والحقيقة ليست كذلك.

هناك تعاريف كثيرة وعديدة لكلمة الغوغاء، ولكن من نقصدهم هنا بالتحديد هم من وصفهم أحدهم عندما قال: "هم الذين إذا اجتمعوا غلبوا، وإذا تفرقوا لم يُعرفوا"... أما النخبة فيمكن أن نعتبر من امتلك "المعرفة" بالأمور كلها وما وراءها وحقيقتها فهو من النخبة... فمن يعرف هو من النخبة ومن لا يعرف لا يكون منها، بهذين الوصفين لطرفين نبدأ مقالنا حتى تكون الأمور واضحة.

المراقب لحال المنطقة العربية، يلاحظ أن هناك من تمكنوا من تحريك الشارع فتوهموا أنهم نخبة، وهم لا يختلفون عن أولئك الذين فازوا في الانتخابات فاعتبروا أنفسهم نخبة وممثلي الشعب الأبديين الذين اختارهم الشعب، وأصبحوا يتشبثون بالسلطة، وإن كانوا فاشلين فيها! فقط لأن الشارع اختارهم، ولأنهم حصلوا على أغلبية الأصوات في الاقتراع، متجاهلين كيف حصلوا على تلك الأصوات!

وهذا يجعلنا نضع التساؤل المهم على طاولة النقاش والحوار، وهو هل نخبة ما قبل ما يسمى بـ "الربيع العربي" تستحق أن تستمر هي نخبة ما بعد ذلك الربيع؟.. هل نخبة ما قبل الأزمة هي نفسها ما بعد الأزمة؟... هل النخبة التي تسبب الأزمة تستحق أن تبقى هي نفسها النخبة التي تقود التغيير؟!

لقد واجهت النخب العربية نقداً لاذعاً من فئات المجتمع وخصوصاً من الشباب. وحتى تستطيع أن تنجح نخب ما بعد "الربيع العربي" في أن يكون لها صوت وشأن واحترام، وتكون نخباً حقيقية في المجتمعات العربية، فعليها ألا تكرر أخطاء النخب السابقة... وأن تكون نخباً للناس والمجتمع لا نخباً تمتدح السلطة وتنفذ ما تطلبه منها فقط!

كان ولا يزال من الطبيعي أن يتساءل الناس ماذا فعلت، وماذا كان دور النخب في الاحتقانات والتوترات في العلاقات العربية - العربية، وما هو دورهم في الخصومات الطائفية والمذهبية التي أصبحت تهدد وجود دول بأكملها، وهل لهم موقف واضح من التدخل الأجنبي في شؤون بلادهم؟... وماذا كان موقفهم ودورهم في القضايا الأخرى كتراجع مستوى معيشة الشعوب، وزيادة نسبة الفقر وكذلك ظهور مشكلة البطالة؟! وارتفاع الأسعار؟

بالنظر إلى طبيعة النخب الموجودة والتي تتصدر المشهد الاجتماعي أو الثقافي أو السياسي، بل وحتى الاقتصادي في أي بلد يمكن معرفة ما يخبئه المستقبل القريب وليس البعيد لأي مجتمع أو دولة. فعلى سبيل المثال لو رجعنا عامين أو ثلاثة إلى الوراء سنكتشف أن هذه النظرية صحيحة. فمن كان يتابع "نخب" ما قبل ما يسمى بـ"الربيع العربي" يلاحظ أنها كانت تشير إلى أنه لا أفق ولا مستقبل للتغيير أو التطوير في هذه المنطقة... لذا كان الانفجار الشبابي والشعبي في وجه السلطة والنخبة في آن واحد، بعد أن أصبحت النخبة في بعض الدول هي الوجه الآخر للسلطة!

على النخب العربية أن تتحمل مسؤولياتها وتمارس دورها الحقيقي، لا أن تسير وراء الغوغاء، فتتحول إلى نخب غوغائية، فالمجتمعات لا تتقدم ولا تتطور بهؤلاء، المجتمعات بحاجة دائماً إلى العقل العالي في التفكير وليس الصوت العالي في الصراخ!... ويبدو ذلك مهماً خصوصاً بعد أن أصبح بعض من يعتبرهم الجمهور نخباً يتقربون من الغوغاء بالتجاوب مع مطالبهم، وهؤلاء في حقيقة الأمر غوغاء توهموا أنفسهم نخباً فلم يقدموا شيئاً ولم يتقدموا.

والحقيقة أنه لم يعد ممكناً خداع الشعوب من جديد، بعد أن أصبحت تدرك أن التغيير الذي يكون لصالحها لا يحتاج إلى مزيد من المغالاة الدينية والتنطع المذهبي، ولا إلى مزيد من العلمنة والتغريب، ولا إلى كم من نظريات سياسية حالمة أو معقدة... فقبل كل ذلك الشعوب بحاجة إلى البساطة - تلك البساطة التي فرضت التغيير الأخير في المنطقة- وبعد ذلك هي بحاجة إلى وجود الفضيلة والأخلاق العالية وبعض من النبل عند أفراد المجتمع وقبل ذلك عند المسؤولين والنخب. التاريخ يعلمنا الكثير ويكشف لنا أن ما يميز جميع الأمم التي نهضت في الماضي هو وجود نخب سياسية واجتماعية تعالت على مصالحها الشخصية وأنانيتها وأيديولوجياتها وسمت بنفسها لتعمل على أساس القيم والمبادئ الإنسانية النبيلة... والتاريخ يؤكد أن الرجال العظماء يولدون في أحضان مثل هذه النخب فيحققون المعجزات ويبثون في أبناء شعبهم روح التضحية ونكران الذات.

أحداث كثيرة مرت على المنطقة العربية جعلت ممن يطلقون على أنفسهم "النخبة" عبئاً على أبناء المنطقة، وعلى مستقبلها، فأصبحوا مكشوفين، ويبدون فارغين فكرياً، ليس لديهم ما يقدمونه لمجتمعاتهم... فالنخب الحقيقية هي التي تقدم الأفكار الكبيرة وتتخذ المواقف العظيمة، وليست التي تضيع وقتها وأوقات مجتمعاتها في التنظير والثرثرة، التي لا تؤدي إلى نتيجة. والنخب لا تكون فوق الناس، وإنما معهم وبينهم ومنهم، فلا تستعلي على أفراد المجتمع كما لا تنزل إلى مستوى الغوغاء من أجل تحقيق مصالح آنية.