الشابي والجريبي مع حكومة مزدوجة برئاسة الجبالي



دور جديد للمعارضة التونسية

تونس - أعلن الحزب الجمهوري الذي يتزعمه المعارض أحمد نجيب الشابي أن "مصلحة تونس تقتضي أن يواصل حمادي الجبالي مسؤولية رئاسة حكومة مزدوجة" تجمع بين التكنوقراط والسياسيين فيما أكدت حركة النهضة أنها متمسكة بالجبالي كرئيس للحكومة لما بات يحظى به من كفاءة وتأييد سياسي وشعبي.

وشددت الأمينة العامة للحزب الجمهوري مية الجريبي على أن "مصلحة تونس التي تمر بمأزق سياسي تقتضي أن يواصل السيد حمادي الجبالي مسؤولية رئاسة الحكومة" باعتباره شخصية سياسية أثبتت قدرتها على الانفتاح على مختلف القوى الوطنية والديمقراطية.

وأضافت الجريبي في تصريحات صحفية أن "حمادي الجبالي سياسي كفء ورجل دولة يتحلى بقدر كبير من الوعي الوطني وهو يدير الشأن الوطني بمنطق رجل الدولة مترفعا عن الانتماء الحزبي لذلك فإن الحزب الجمهوري يرى أنه الأجدر برئاسة الحكومة القادمة".

غير أن الجريبي أكدت أن الحزب الجمهوري لم يساند مبادرة الجبالي بتشكيل حكومة تكنوقراط لأن "المأزق الذي تعيشه البلاد مأزق سياسي يستوجب تشكيل حكومة مزدوجة من التكنوقراط والسياسيين".

وكان حمادي الجبالي أعلن الاثنين فشل مفاوضات الأحزاب السياسية بشأن مبادرته لتشكيل حكومة تكنوقراط غير متحزبة، وذلك لإخراج بلاده من الأزمة السياسية التي أججها اغتيال المعارض شكري بلعيد في السادس من الجاري.

وقال الجبالي في مؤتمر صحافي "ليس هناك وفاق كاف بين الأحزاب السياسية حول المبادرة كما قدمت (...) ولذلك سأذهب إلى الرئيس المنصف المرزوقي غدا لننظر في الخطوات القادمة".

وكشفت الجريبي أن الحزب الجمهوري طرح"دعم فكرة المزاوجة بين الكفاءات المتحزبة وغير المتحزبة في الحُكومة الجديدة" وفق عدد من الشروط من أهمها تحييد الوزارات السيادية والتزام أعضاء الحكومة بعدم الترشح للانتخابات القادمة ووضع برنامج لمقاومة العنف وحل رابطات حماية الثورة الذراع الميدانية لحركة النهضة.

وقالت الجريبي إن مواقف حركة النهضة بشأن التركيبة الجديدة للحكومة "بدت متناقضة ومتضاربة" مؤكدة أن الحركة "تراجعت عن موقفها تجاه تحييد الوزارات السيادية".

وكان رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي أعرب عن استعداد الحركة لقبول مطلب المعارضة بتحييد الوزارات السيادية في أول خطوة من نوعها رأى فيها السياسيون تنازلا من الحركة عن تمسكها بحقيبتي وزارة الداخلية التي يتولاها القيادي في النهضة علي لعريض ووزارة الخارجية التي يتولاها صهر الغنوشي رفيق عبد السلام.

وعلى الرغم من أن تعنتها كان وراء فشل مبادرة أمينها العام فإن حركة النهضة جددت الثلاثاء ثقتها في حمادي الجبالي كرئيس للحكومة القادمة.

وقال راشد الغنوشي في تصريح صحفي "إن النهضة متمسكة بأمينها العام حمادي الجبالي رئيسا للحكومة" لأنه يحظى بتقدير الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني.

وأضاف "إن قادة الأحزاب السياسية الذين شاركوا في المفاوضات أجمعوا على مواصلة الجبالي في رئاسة الحكومة مع تشكيل حكومة تجمع بين سياسيين وكفاءات تكون مفتوحة أمام قوى جديدة".

وبعكس بعض التوقعات فقد زاد إعلان الجبالي عن فشل مفاوضات الأحزاب بشأن مبادرته من ثقة التونسيين فيه ووسع تأييد السياسيين والخبراء والنشطاء له وبدا لهم "السياسي الوحيد الذي ترفع عن الاعتبارات الحزبية وقدم مبادرة قادرة على إخراج البلاد من أزمتها لكن تمسك الأحزاب السياسية بمنطق المحاصصة أفشل المبادرة" على حد تعبير أستاذ العلوم السياسية قيس سعيد.

وبرأي المراقبين فإن تمسك الأحزاب السياسية بحمادي الجبالي رئيسا للحكومة يأتي نتيجة النهج التوافقي الذي أنتهجه الرجل في إدارة الشأن العام وسط ظروف قاسية اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا.

ويعترف السياسيون أنفسهم بأن حمادي الجبالي كان خلال الأشهر الماضية هدفا سهلا لكثير من الضغوطات، من النهضة ومن المعارضة، وكأنه المسؤول الوحيد والأوحد عن الأحداث التي شهدتها البلاد يقر العقلاء بأنها على غاية من التعقيد والثقل ما يجعل مسؤوليتها تتجاوز رئاسة الحكومة لتشمل مختلف الفاعلين السياسيين في الحكم وفي المعارضة.

ويلاحظ السياسيون أن الرجل لم ترحمه المعارضة حين حكمت على حكومته بالفشل في معالجة ملفات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية تحتاج حلولها إلى سنوات، لا إلى سنة، وإلى خطط إستراتيجية يشارك فيها خبراء وأخصائيون، لا فقط إلى فريق حكومي تمزقت جهوده بين موروث النظام السابق وبين مطالب مستعجلة أججتها الحالة الثورية التي تعيشها البلاد.

ولم ترحمه النهضة، حين حملته أمانة محرقة حكم أول حركة إسلامية في الوطن العربي لا تخفي الطبقة السياسية توجسها من طبيعة مشروعها ومن صدقية التزامها بمبادئ النظام الجمهوري وقيم الخيار الديمقراطي وأسس التعايش السياسي والاجتماعي والثقافي.

ولم ترحمه احتجاجات شعبية مشروعة ذات سقف تطلعات عال تعجز الحكومة على الاستجابة إليها في ظل وضع اجتماعي متأزم ومهزوز.

ويعترف المتابعون للشأن التونسي بأن الجبالي قاد بصبر رجال الدولة خلال أكثر من سنة حكومة ائتلاف هش يفتقد للخبرة في إدارة مؤسسات دولة شرسة وللحنكة في التعاطي مع ملفات الحالة الثورية ولكنه رغم ذلك أبدى الكثير من الشجاعة في مواجهة عواصف سياسية واجتماعية محاولا تطويقها بعقلية الحوار والإصغاء للأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية.

ويقول المحللون السياسيون إن الجبالي حاول التكتم على فشل حكومة المحاصصة الحزبية ربما خوفا من أن الإعلان عن الفشل قد يؤدي إلى انهيار مؤسسات الدولة ولا فقط انهيار حكم حركة النهضة التي يشغل منصب أمينها العام، لكنه لم يتردد في إعلان مبادرة فاجأت الجميع لما اقتنع بأن الأزمة التي تعيشها البلاد تستوجب المصارحة والشجاعة بل تستوجب الترفع عن الانتماء الحزبي والانتصار لمنطق الدولة.