ما الذي تتعلمه مصر من الدرس الايراني؟

عرضت ايران على الرئيس المصري نقل تجربتها في اسلمة الدولة إلى مصر. جاء ذلك في رسالة وجهها 17 شخصا من النخب الايرانية الموالية للنظام ولولاية الفقيه ولحكم المرشد، من بينهم وزير الخارجية الاسبق على أكبر ولايتي. سيقال ان تلك الرسالة انما تمثل وجهة نظر، تستند إلى نوع مبيت من سوء الفهم. شيء من هذا القبيل لا يمكن أن يقع بطريقة عشوائية وعارضة. ذلك لانه يتعلق بطريقة أو بأخرى بالأعراف الدبلوماسية. فهل وجد الطرف الايراني ما يشجعه من الاشارات المصرية للمضي قدما في ارتكاب حماقة من هذا النوع؟ تاريخيا فان العلاقة العلاقة بين مصر وايران لم تكن لتسمح يوما ما بمثل هذا المزاح. ولو كان الحديث يجري عن تعددية قوى في منطقة الشرق الأوسط فان ايران ومصر يشكلان قطبين متنافرين، في المزاج السياسي المؤقت وفي النظرة البعيدة إلى المستقبل على حد سواء. هل تحاول ايران أن تحتوي مصر مثلما احتوت العراق فتبدأ بجس نبض الزعامة الاخوانية المحاصرة؟ السؤال يبدو ساذجا. ذلك لان مصر، اضافة إلى كونها دولة كبيرة، مساحة وسكانا، فانها لم تتعرض لما تعرض له العراق من كوارث، كانت الحروب واجهتها.

ربما سيضحك المصريون بسبب ما انطوت عليه الرسالة من بلاهة، وفي الوقت نفسه فان حماقة الفكرة ستزعجهم كثيرا. فالدرس الايراني لا يصلح حتى لإدارة حارة صغيرة من حارات القاهرة. لكن الفضيحة تظل قائمة بالرغم من كل أنواع السخرية. فهل باتت مصر من وجهة نظر الآخرين صغيرة إلى الدرجة التي تسمح للغرباء في التفكير في احتوائها عن طريق نصحها، أو على الاقل منحها دروسا مجانية؟

هل صارت مصر التي سبقت الجميع الى الديمقراطية (جزء كبير من أوروبا يمكنه أن ينضم إلى ذلك الجمع المقصود) مادة لإرساليات دولة يسيطر عليها ملالي، وتأتمر بأوامر الولي الفقيه، في انتظار أن يشفق عليها عالم الغيب ويعجل في ظهور الأمام المهدي؟ هنا بالضبط تكمن اللحظة الحرجة التي سيقف المصريون أمامها وهم يحاولون فك طلاسم تلك الرسالة العجيبة.

ولأني لا أرغب في الدخول في تفاصيل سؤال عبثي من نوع "ما الذي يمكن أن يتعلمه الآخرون من أيران؟" فسأحاول أن أوجز الوصف. ايران هي دولة من الطراز المغلق على نفسه. تسعى إلى التنفيس عن كربها من خلال اصطفاف طائفي مكنتها الظروف الاقليمية من العثور عليه في العراق وفي لبنان وفي سوريا. وهو اصطفاف لا يخلو من جهد كبير ومن انفاق سخي. هناك أحزاب في العراق ولبنان هي صنيعة ايران، وهي اليوم أداتها في تهديد الأمن والسلام الأهلي في البلدين المذكورين. خارج حدود ذلك الحضور المفضوح فان ايران دولة منبوذة، اقليميا ودوليا. عجزُ الحكم فيها عن ادارة مجتمع مدني صار مكشوفا، بل أن الصدام بين المؤسسة الدينية التي تدير البلد والمجتمع المدني لابد أن يؤدي إلى انفجار عظيم، لن تكون نتائجه بأقل من طي صفحة ولاية الفقيه. تلك الدولة النفطية تشهد تخلفا مدنيا مروعا. فالعقوبات الدولية القاصمة التي فرضت عليها بسبب سياساتها المتشددة لا يمكن أن يسترها تشيع عدد محدود من المصريين والتونسيين. من شأن تدهور قيمة التومان أن يضع المذهب بين قوسين. فالايرانيون مثل كل شعوب العالم يصبون إلى التمتع بحياة أفضل، تقترب بهم من أشكال ومضامين الحياة التي يعيشها الآخرون في مختلف أنحاء العالم، لا أن ينكفئوا على مصير مجهول، هو جزء من فرضية لايمكن اثباتها.

ايران في ظل ولاية الفقيه فشلت في أن تكون دولة ناجحة.

كيف إذاً يجرؤ عدد من نخبها على التلويح بإمكانية أن تتلمذ مصر في المدرسة الايرانية؟ اعتقد أن القيادة الأخوانية (محمد مرسي بالذات) تتحمل القدر الأكبر من المسؤولية في وقوع حماقة من هذا النوع. لقد ابتذلت تلك القيادة مصر وشعبها وتاريخها وقيمتها الحضارية ومكانتها في العالم العربي والعالم، حين صارت أسلمة مصر والمصريين هي الدرجة الأولى في السلم الذي شيدته. لقد بدا واضحا أن الأخوان في مصر يسعون إلى نسخ التجربة الأيرانية (اختلاف المذهب لا يشكل عائقا). فهم أداروا ظهورهم إلى المجتمع المدني وصاروا يفكرون في كيفية الانقلاب على الديمقراطية عن طريق اقامة مجتمع يلتزم دينيا بولاية المرشد. وهو ما يمهد لوجودهم في الحكم إلى الأبد.

الوقائع التي تشهدها مصر أكدت فشل المحاولة، غير أن ايران وهي بلد محكوم بفكر طوباوي لن تكون معنية بتلك الوقائع الارضية.