رفسنجاني: 'فكرة العيش دون خامنئي تؤرقني'!

رغم إهمية كل ما قيل ويقال حول الانتخابات الرئاسية في ايران والحوار مع الولايات المتحدة في كفة، وما قاله اية الله هاشمي رفسنجاني مؤخرا، بعدما لم يتم التجاوب مع دعوته قبل اسابيع بانه "لكي تتخطى ايران الظروف والتحديات الخارجية والمشاكل الداخلية يجب تشكيل حكومة من كل الاطياف". فبعد ان شدد على "الاخوة والمودة" التي تربطه بالمرشد اية الله علي خامنئي: "عبرنا سويا منعطفات أشد خطورة مما نمر به الان، وطالما تمنيت ألا أرى اليوم الذي أكون فيه موجودا، ويكون هو اي خامنئي غائبا، حتى أن فكرة العيش من دونه تؤرقني وتجعلني اعاني احساسا شديدا بالوحدة"، في كفة.

هذا الكلام حول علاقة رفسنجاني بخامنئي حمّال أوجه، لانه مهما بلغ عمق العلاقة بين سياسيين لا يمكن ان يصل الحال الى هذه الدرجة من "الوله". البعض في ايران اعتبر كلام رفسنجاني محاولة جدية منه لتعميق العلاقة بينهما وتذكيره بان وصية الامام الخميني لهما "بالبقاء متحدين"، لان أعداء رفسنجاني يعملون على تأليب المرشد ضده في وقت لا يستبعد فيه ترشحه للانتخابات الرئاسية كحل أخير للالتفاف على الوضع الخطير الذي تمر به البلاد. لكن البعض الاخر رأى في هذا التصريح تجاوزا لكل اليوميات الحامية التي تمر بها ايران، وان رفسنجاني يحضّر البلاد للكشف عن تطورات متعلقة بالمرشد قد تضطره على الاقل لترتيب الاوضاع، وان الوقت قد حان للتحضير للخلافة خصوصا وان "تيارا متطرفا مناهضا للديموقراطية يعمل ضد الجمهورية". ولا شك ان رفسنجاني يطمح لخلافة رفيق الدرب، وهذا لن يتم دون موافقة ودعم خامنئي له. وما يحفز رفسنجاني ويشجعه على ذلك أنه لعب دورا اساسيا وفعالا في دفع التطورات لتسمية خامنئي للولاية بعد ان اقيل اية الله العظمى حسين منتظري من خلافة الامام الخميني.

لو كان هاشمي رفسنجاني سياسيا عاديا في ايران لمرّ كلامه بشكل عادي، لكن رفسنجاني "عدة رجال في خدمة رجل واحد اسمه هاشمي رفسنجاني". لذلك بقي "قلعة" النظام الايراني، ولم يستطع احد تجاوزه فكيف بالغائه رغم كل الحملات التي تركزت حوله وضده. منذ مطلع الثورة انضم باكرا الى الامام الخميني، وعمل على نشر توجيهاته ضد الشاه، وشارك بقوة في تشكيل تنظيم "روحانيات" اي "رجال الدين المناضلين" الذي ما زال موجودا حتى الان، كما كان في الوقت نفسه يتابع اعماله في تجارة الاراضي في طهران اثناء طفرة النفط ليصبح شيخا مليونيرا قبل نجاح الثورة. بعد اعلان الجمهورية الاسلامية عرف دائما متى وكيف يدير اللعبة السياسية، فكان "رجل الثورة في الدولة، ورجل الدولة في الثورة". هذا التعريف برفسنجاني ضروري لفهم حركته السياسية في هذه المرحلة الدقيقة والصعبة.

"هندسة" الانتخابات الرئاسية اصبحت نقطة القطع والوصل في كل التصريحات والتصريحات المضادة لمختلف المسؤولين الايرانيين. القضية بدأت مع ممثل المرشد في الحرس الثوري علي سعيدي الذي رمى في وجه الجميع شعار "هندسة الحرس" للانتخابات، فبدا ذلك مثل رأس جبل الجليد كلما جرى الاقتراب منه كلما تم اكتشاف خطره، لان الجزء الغارق في المياه هو الجزء الاضخم والاخطر. الرئيس احمدي نجاد الخبير بـ "هندسة" الانتخابات، وهو الذي يشعر انه أبرز المستهدفين من هذه الانتخابات الى جانب الاصلاحيين، قال اثناء مسيرة احياء ذكرى الثورة في ساحة آزادي: "بعضهم قال أنه قادرعلى هندسة الانتخابات. لن يستطيع احد أن يفرض ارادته على الشعب". لكن كما يبدو فان قناعة بدات تسود لدى الايرانيين ان "هندسة الانتخابات واقعة حكما" لان النظام اصبح يفتقد الثقة التي كان يتمتع بها. ويعود ذلك الى قلق علني من وقوع اضطرابات يحترق خلالها الشارع على خلفية الوضع الاقتصادي المتدهور. وقد حذر قائد الشرطة الجنرال اسماعيل احمدي مقدّم المعروف بأنه "عصا النظام" بأنه "جرى اتخاذ كافة الاستعدادات اللازمة لضبط الاوضاع"، بدوره اصدر الحرس توجيها بانه "اتخذ كل الاجراءات وان الرد سيكون صارما على كل التحركات للمحافظة على وحدة الامة".

"المحدلة" الامنية كثفت حركتها ضد الاصلاحيين لكنها لم تستثن ايضا جماعة أحمدي نجاد. ويبدو ان كل الوسائل شرعية في مواجهة ضبط الاصلاحيين، سواء في التضييق على الصحافة او الصحافيين. فقد اعتقل وسجن في الحملة الاخيرة 17 صحفيا بتهمة التعامل مع اذاعة لندن، كما جرى توقيف واستجواب ابنتي مير حسين موسوي في سجن ايفين الشهير، في اليوم الذي انهى فيه موسوي عامه الثاني في الاقامة الجبرية مع رفيقه الشيخ محمد كروبي. وقد روت نرجس موسوي ظروف توقيفها السيئة وغير القانونية، واكدت في النهاية انها قالت للمحقق الذي اراد صفعها خلافا للشرع انها "لن تتخلى عن الحقوق الشرعية لوالدها". اما نجاد فقد اعتقل "رجله" مرتضوي، لكن كما يبدو فهو غير مستعد للتسليم بحذفه من الحياة السياسية خصوصا وان لديه أنصار مستعدين للمواجهة مهما كانت كلفتها، وقد برز ذلك عندما رمى انصاره خصمه الكبير علي لاريجاني باقراص الصلاة والاحذية في قم اثناء الاحتفالات بالثورة. ويبدو ان نجاد لم يتراجع امام تأنيب المرشد له فأعلن "رفضه بان تحتكر اقلية الثورة التي تنتمي الى الشعب" مشيرا بذلك الى علي لاريجاني واشقائه المتضامينين والمتكافلين.

خلال الاحتفال بذكرى الثورة في ميدان آزادي، فاجأ أحمدي نجاد الجميع عندما هتف امام مئات الالوف المحتشدة "عاش الربيع". ولم يعرف أحدا ماذا كان يقصد بذلك. لكن كما يبدو ان الوضع في ايران مفتوح على كل الاحتمالات.