صدام وبشار بين انتفاضتين

مع الانتصارات التي حققتها وتحققها الثورة السورية على الأرض بقواها الذاتية المتواضعة على نظام مدجج بالسلاح وفاق في قسوته وعنفه جميع أقرانه الديكتاتوريين الآخرين، نجد من اللازم والمفيد أن نستعيد حكاية انتفاضتنا العراقية التي اندلعت في الأول من آذار/مارس 1991، لفهم الظروف والأسباب التي جعلتها تنتهي في شهر واحد وأربعة أيام فقط، رغم أن النظام الذي ثارت عليه كان مُنهكا، ومنبوذا ومحاصرا، عربيا ودوليا، وبلا حماة ولا مناصرين، وآيلا للسقوط. طبعا مع التذكير بأن انتفاضة كردستان حققت أهدافها وتخلصت من سلطة النظام، ولكن بإرادة دولية حازمة وفاعلة حَرَّمت على الديكتاتور اقتحام معاقلها، كما فعل بانتفاضة الجنوب.

فهل كان السبب عائدا لقوة النزعة الدموية التدميرية لدى صدام وضعفها لدى بشار، أم لضعف الروح القتالية لدى الشعب العراقي، وقلة صبره وانعدام الشجاعة والبسالة لديه، مقارنة بقوة شكيمة الشعب السوري وصبره على البراميل المتفجرة وقنابل الطائرات المقاتلة والسمتية والمدفعية الثقيلة والصواريخ بكل أنواعها وأحجامها ومَدَياتها، والتي يستخدمها الديكتاتور علنا وعلى مرأى من العالم وسمعه، لا من أجل الانتقام من ثوار الجيش الحر فقط، بل لقتل أكبر عدد ممكن من المدنيين غير المقاتلين وغير المسلحين أيضا، بزعم أنهم الحاضنة الحقيقية للثورة، والتي أمدتها وتمدها بالرجال والمال والسلاح والعتاد، بعد أن منع العالم عنها أي عون حقيقي له قيمة فاعلة على الأرض. فدك الأحياء السكنية على رؤوس نسائها وأطفالها وشيوخها، وهدم المدارس والمساجد والمستشفيات والأفران ومحطات الماء والكهرباء والغاز، ومحا مدنا وقرى وحواري كاملة وجعلها خرائب موحشة.

مع ملاحظة فارقين مُهمْين آخرين بين نظام الديكتاتور العراقي ونظام الديكتاتور السوري. فنظام صدام كان خارجا من حرب الكويت مهزوما حين اندلعت الانتفاضة في آخر أيام تلك الحرب. ومن قبلها بخمسة وأربعين يوما كانت طائرات التحالف الدولي تشن غارات يومية على العراق بلا توقف ولا هوادة، فعطلت جميع المطارات العسكرية والمدنية، ومحطات الرادار والطرق والجسور، وخطوط الإمداد ومراكز الاتصالات، ودمرت معظم دبابته، وأعدادا هائلة من طائراته المقاتلة والسمتية، حتى وهي مخبأة في مرابضها المحصنة، الأمر الذي قضى على الروح المعنوية لدى الجيش العراقي والحرس الجمهوري والحرس الرئاسي الخاص، وجعل القريب من الديكتاتور والبعيد عنه، معا، موقنا بأن النهاية صارت مسألة أيام وليست مسألة شهور.

وفي ذلك الزمن بالتحديد كانت دول العالم الكبرى والصغرى، كلها تقريبا، مشاركة في قتاله، أو موافقة على طرده من الكويت بالقوة المسلحة، ودول الجوار كلها كانت ملتزمة بقرار مجلس الأمن الدولي المتخذ وفق البند السابع، فأقفلت عليه حدودها، ومنعت مرور أي دعم عسكري أو مالي أو بشري من أي نوع.

ثم جاءت حرب الكويت لتقضي على البقية الباقية من الجيش والحرس الجمهوري، ولكي تعيد من نجا من الموت، من ضباط وجنود، مهزوما ومُهانا، ماشيا على قدميه على الرمال، أو محشورا في أحد باصات الهاربين العرب والأجانب من الكويت.

بالإضافة إلى أن قوات التحالف الدولي عمدت إلى تجريد النظام، تماما، من وسائل الإعلام، بكل أنواعها، بعد قصف المرسلات واستوديوهات الإذاعات والتلفزيون والهاتف. مع التذكير بعدم توفر هواتف نقالة في تلك الأيام، ولا شبكة "سكايب" التي دخلت اليوم في ساحات القتال مع المنتفضين.

وهناك فارق آخر مهم أيضا. فالجارة إيران كانت في الانتفاضة العراقية عنصرا محليا مشاركا في القتال، بالمال والسلاح والرجال، ضمن مليشيات المجلس الإسلامي والدعوة، أو بملابس الحرس الثوري، صراحة، وبصور الخميني ورفسنجاني التي أفسدت وجه الانتفاضة، وجعلتها إيرانية أكثر منها عراقية وطنية خالصة، مثلما كانت عند اندلاعها، ولكنها مع ديكتاتور سوريا تشارك عن بعد، وبالواسطة والتهريب.

بالمقابل فإن نظام الديكتاتور السوري يمتلك جيشا متماسكا وقويا مجهزا بأفضل أنواع الأسلحة وأحدثها، وبأكوام الذخيرة ولوازم الحروب الأخرى التي لم يستهلكها من قبل في حروب حقيقة، كما حدث مع جيوش صدام. وعلى امتداد أربعين عاما ظل حافظ أسد ومن بعده بشار يتزودان بالمزيد منها، عاما بعد عام، بالأموال الإيرانية والخليجية والهبات الروسية والصينية، وبقوت الشعب السوري الذي كان يتحمل الشُحة والفقر وشظف العيش إيمانا منه بقدسية القضية التي كان النظام يزعم أنه يعد جيشه من أجلها وفي سبيلها.

كما أن روسيا، من ثلاثين عاما أيضا، وما تزال حتى اليوم، تمسك به بقوة وتعينه على البقاء، ليس بترسانات أسلحتها المتطورة الحديثة وحسب، بل بحمايته في المحافل الدولية من أي عقاب على جرائم الحرب التي يقترفها علنا وعلى شاشات التلفزيون، وبشهادات المنظمات الدولية المتخصصة كلها. كما أن إيران، هي الأخرى، لم تتوقف عن مده بالمال والسلاح والرجال. وحزب الله يقاتل معه. ونوري المالكي يجعل من سماء العراق وأرضه جسرا دائما لتهريب الأسلحة والمال والمقاتلين والخبراء من إيران، دون خوف ولا حياء.

ولكن ومع كل هذه العوامل والظروف فقد صمد الشعب السوري عامين، وما زال مصمما على الصمود، غير باخل بتضحية ولا بفداء، رغم أن أعداد شهدائه المعروفة والموثقة، بحسب إحصاءات المنظمات الدولية (وليس المعارضة)، تجاوزت سبعين ألفا، ورغم أن جرحاه ومعوقيه ومُختَطَفيه ومعتقليه ومرضاه ومُهَجريه في الداخل والخارج لا يمكن حصر أعدادهم، بأي حال من الأحوال. وفي كل يوم يتحقق للمعارضة كسب عسكري وسياسي مهم يقربها من الانتصار النهائي القريب.

ويبرر البعض من زملائنا الكتاب والمحللين العراقيين والإيرانيين هزيمة انتفاضة العراق في عام 1991 بما يلي:

"إن أول أسباب فشلها أنها كانت عشوائية شعبية، بغياب القائد الذي يقود المجموعات، على الرغم من وجود قيادات محلية لمجموعات صغيرة في مناطقها. ومنها أيضا أن النظام، بخبثه ودهائه، هو الذي دس عناصر مخابراته وأمنه وجيوشه على المنتفضين فدفع بها إلى الخروج عن أهدافها وتغيير شعاراتها، وأنه هو الذي أضفى عليها الصبغة الطائفية برفع صور الخميني ورفسنجاني ومحمد باقر الحكيم، وأنه هو الذي جعل المنتفضين يطلقوا عليها تسمية انتفاضة (15 شعبان) لكي تتوافق مع ميلاد (صاحب الزمان)، وهو الذي أوعز برفع شعارات واضحة الدلالة مثل (ماكو ولي ألا علي ونريد حاكم جعفري) و(صدام اشرد جوك السادة) و(يالثارات الحسين) وغيرها، الأمر الذي جعل أميركا ودول الخليج تعتقد بأن إيران وراء الانتفاضة، فوقفت ضدها وساعدت على إفشالها وسمحت لصدام بسحقها".

كما يسوقون سببا آخر لتبرير فشلها، وهو غياب الاعلام الحر المستقل الناقل لأحداث الانتفاضة، باستثناء بعض الأخبار في الاعلام الغربي، وبعض القنوات الفضائية. يضاف إلى هذه الأسباب كلها انبساط أرض الجنوب مما سهل لطائرات النظام قصف المدن والمناطق، على عكس المناطق الشمالية ذات التضاريس الوعرة.

ومع الاحترام الشديد لهذه الآراء فمن السهل ردها وتفنيدها. فأصحاب هذه المبررات ينسون الأسباب الموضوعية الحقيقية التي جعلت من فشل الانتفاضة أمر واقعا لا مهرب منه. فالقول بعدم وجود قيادة موحدة لجماهير الانتفاضة أمر غير صحيح. فأغلب الانتفاضات العربية التي نجحت في إسقاط الأنظمة التي ثارت عليها بدأت عفوية وبدون قيادة مركزية موحدة. وها هي الثورة السورية أمامكم. إن فيها عشرات الأحزاب والمنظمات والكتائب والفيالق والأجنحة والتيارات. وكلها تتنافس وتتقاطع وتتحارب أحيانا، ولكنها موحدة على القاسم المشترك وهو إسقاط النظام.

إن أكثر ما أساء إلى الانتفاضة العراقية هو محاولة المجلس الأعلى فرض هيمنته عليها واحتكار قيادتها والتسيُد على جماهيرها، في الوقت الذي كانت فيه سمعته الوطنية والمالية، وتبعيته المفضوحة لإيران، في أسوأ حالاتها، ليس بين جماهير العراقيين الأخرى غير الشيعية وغير العربية وغير المسلمة فقط، بل حتى بين صفوف المعارضة الشيعية ذاتها التي هجرها النظام، أو التي اضطرت للهرب إلى إيران، والتي جربت وذاقت مرارة أساليبه في معاملة أشقائه اللاجئين العراقيين الشيعة.

وقيل يومها إنه استغل الفوضى التي أحدثتها الانتفاضة فعمد إلى تصفية خصومه ومعارضيه من قادة الأحزاب الشيعية الأخرى، مستقويا بنفوذه لدى النظام الإيراني.

ومن حضر مؤتمر المعارضة العراقية في بيروت شهد كيف كان قادة المجلس وزملاؤهم قادة الأحزاب الدينية الشيعية الأخرى يتنافسون على حضانة الانتفاضة، وكيف كانوا يتصرفون وكأن النظام قد سقط، وأنهم أصبحوا حكام العراق الجدد، فراحوا يتقاسمون الوزارات والمؤسسات والسفارات، ورفضوا بقوة وحزم إشراك أحزاب أخرى في السلطة، بل منعوا ممثلي الحزب الشيوعي من الجلوس معهم على طاولة واحدة، باعتبار أن العهد الجديد في العراق ديني إسلامي شيعي لا مكان فيه لعلمانيين وشيوعيين وديمقراطيين.

أما العامل القاتل الثاني فهو دخول إيران على خط الانتفاضة، ومحاولة استثمارها لتحقيق مكاسب سياسية معينة، بهدف المقايضة عليها مع "الشيطان الأكبر" وحلفائه، وللانتقام من صدام حسين، وللاستحواذ على ما يمكن من وثائق النظام ومستنداته، خصوصا ما يتعلق منها بالحرب العراقية الإيرانية، وما رافقها من أسرار.

العامل الثالث هو بروز قيادات محلية في المدن والقرى جاهلة وأمية وفوضوية وفاسدة تمكنت من ركوب موجة الانتفاضة لتحقيق مكاسب مالية أو تصفية حسابات شخصية، فأجازت القتل والنهب والاغتصاب، وسمحت للمجاميع الهائجة بالسطو على أموال الدولة وعلى أموال المواطنين وأملاكهم. ولم يكن ضحاياهم من بعثيين أو سنة أو مجندين (إجباريين) في الجيش أو الحرس الجمهوري، بل مواطنين عاديين من طائفتهم ذاتها، ومن جيرانهم وأقاربهم كذلك. إضافة ما فعلوه بالبعثيين والموظفين الحكوميين. وقد روى لنا لاجئون في معسكري رفحا والأرطاوية في السعودية أحاديث كثيرة عن حالات أبدى فيها جنود وضباط محاصرون في ثكناتهم رغبتهم في الاستسلام (للثوار)، فتم الاعتداء عليهم من قبل مهاجمين مسلحين بالهروات والقامات (البلطات) والسكاكين.

و"ليس خافيا أن أكثر أعمال القتل وحشية جرت في النجف وكربلاء بحق البعثيين والموظفين الحكوميين وعناصر الشرطة.

ويذكر أن مرقد الإمام علي كان يُغسل يومياً من الدماء، وأن مكتبة (دار الحكمة) في المدينة تحولت إلى مسلخ بشري. وقد استخدمت في قتل البعثيين وعناصر الأمن والمسؤولين الحكوميين أساليب في منتهى الهمجية والقسوة، منها وضع إطار سيارة في الرأس وإشعال النار فيهأ. فضلاً على وقائع اغتصاب كثيرة لزوجات بعثيين، وبعثيات عضوات في اتحاد لنساء العراق- النجف".

أما حكاية المقابر الجماعية فهي قضية أخرى استخدمتها الأحزاب الدينية، وأجهزة الإعلام الإيرانية، بشكل خاص، لأغراض سياسية محضة، فأحاطتها بكثير من المبالغة والتهويل والادعاء، وذلك لتسويق فكرة مظلومية الشيعة في العالم الغربي، وفي أميركا بشكل خاص، حتى صار العراق يسمى "بلد المقابر الجماعية". ولكن البحث المحايد والموضوعي الذي أجرته منظمات دولية محايدة ومتخصصة أثبت أن بعض هذه المقابر الجماعية يعود تاريخه إلى الحرب العراقية الإيرانية، وقد وجد منها الكثير في العراق وفي إيران أيضا، لكن تم التركيز على العراق وحده، وإهمل وأغفل ما وجد منها في إيران. ثم إن عددا آخر من تلك المقابر الجماعية يعود تاريخه إلى أيام حرب الكويت، وبعضا منها أيضا يعود لأيام الانتفاضة، مع عدم تبرئة النظام السابق من كثير منها. ولكنها بحاجة إلى مزيد من التدقيق والتمحيص لتحديد هويتها وتواريخها، ولتخليصها من كثير مما علق بها من تزوير وتلفيق.

وعلى العموم فبدعة المقابر الجماعية شيء ثابت في تاريخنا العربي والإسلامي، وهي جزء أكيد من تراثنا ليس لنا الحق في أن ننكره أو وننفيه. وها هي مقابر بشار وشبيحته في سوريا هذه الأيام، ولكن لا أحد من أحزاب العراق الدينية يتحدث عنها أو حتى يصدق وجودها.

وفي التلخيص النهائي لأهم أسباب فشل انتفاضتنا وصمود انتفاضة أشقائنا السوريين يمكن القول إن انتفاضتنا كانت هبة عاطفية غير منظمة وغير مسيسة، ودون تخطيط وترسيم، الأمر الذي سهل على البسطاء والجهلة والأميين ركوب موجتها وحرفها عن مسارها، وتحويلها إلى حرب بين طائفة ضد طائفة أخرى، وجعلها تخرج عن سيطرة العقل السياسي العراقي الوطني النزيه، وتبعد عنها مجاميع الجماهير المناضلة الوطنية الأخرى.

أما الانتفاضة السورية فقد بدأت عفوية أيضا، ولكن سلمية ومتعقلة ومحددة المطالب والشعارات، واستمرت على مدى ثمانية شهور وهي ترفض أي تدخل خارجي، وتعارض دعوات الرد على السلاح بالسلاح، والعنف والانتقام، وظلت سلمية تواجه الرصاص بالغناء والزغاريد والأهازيج والهتاف: "سلمية سلمية"، إلى أن طفح الكيل. ولم يتوقف أي منتفض، في كل قرية ومدينة وحي عن التأكيد على سورية الانتفاضة، ولم يقل أي منهم إنها ثورة طائفة على طائفة الجلاد.

ولو استعرضنا أبرز قيادات المجاميع والمجالس التنسيقية في الداخل، وأهم قيادات المعارضة في الخارج، لوجدناها، كلها تقريبا، أكاديمية جامعية متحضرة، تؤمن بالديمقراطية وحدها حلا واقعيا لإخراج سوريا من هذا الظلام والخراب والاقتتال. فبرهان غليون، متخرج في السوربون وأستاذ فيها أكثر من ربع قرن، ثم خليفته عبدالباسط سيدا (الكردي العلماني الليبرالي المتحضر) ثم جورج صبرا (المثقف المسيحي المستقل)، ثم الشيخ المؤذن معاذ الخطيب الذي أثبت أنه سياسي بارع ومتفتح ومتحضر ويستحق القيادة بجدارة. وللعلم فقط فإن أول سفير للمعارضة السورية في فرنسا علوي وابن علوي وابن علوية، بحق وحقيق. ثم، من يقرأ التقرير المالي الأخير للمجلس الوطني السوري يكتشف نزاهة الثورة وأمانتها التي لا يمكن قياسها بفساد غيرها بأي حال من الأحوال.

ولو عقدنا مقارنة عددية حسابية بين عدد القتلى والجرحى والمعوقين والمفقودين والمعتقلين والمهجرين، في الداخل والخارج، في الانتفاضتين، وحجم الحرق والهدم والنسف والردم، لكان ثمن الانتفاضة العراقية واحدا من ألف مما دفعه الشعب السوري لحد الآن، ومما يصر على دفعه في المعارك اللاحقة.

وأخيرا فإن أكبر الغادرين بانتفاضتنا العراقية كانت إيران ذاتها. لسببين. الأول أنها كانت في عنفوان الانتفاضة تهاجم أميركا وتؤجج الكراهية والحقد ضدها وتعدها بالانهيار والهزيمة، في حين أن شيعة العراق كانوا في أمس الحاجة الى دعم اميركا في مواجهة صدام. وهذا ما سهل على دول الخليج (السنية) مهمة تغيير موقف أميركا من الانتفاضة والقبول بأهون الشرين، وهو النظام العدواني الصدامي، وهو ضعيف، بدل الهيمنة الإيرانية، وربما حروب جديدة شيعية سنية في المنطقة.

والثاني أن إيران حين استمعت لجورج بوش وهو يدعو الجيش العراقي إلى الانقلاب على الديكتاتور أدركت أن الرياح الأميركية والدولية تغيرت باتجاه الإبقاء على صدام، بل والسماح له بدفن الانتفاضة في مهدها. فسارعت إلى سحب عناصر مخابراتها وحرسها الثوري، على الفور، بعد أن أوصلت المنتفضين لنص البير، وقالت لهم إذهبوا وقاتلوا أنتم وربكم، إنا هنا قاعدون. ويقول أكثر خبراء الشؤون العسكرية الاستراتيجية إن إيران لو أظهرت عزما أكيدا وملموسا على التدخل العسكري المباشر إلى جانب حلفائها ضد نظام صدام لأحدثت تغييرا كبيرا في توجهات المجتمع الدولي، ولأجبرته على القبول بأنصاف الحلول.

وقبل أن نختم هذا المقال ينبغي التذكير بحقيقة أخرى، وهي أن صدام كان عادلا في ظلمه، على حد قول الراحل محمد مهدي الحكيم. أي أنه لم يكن سنيا في حكمه، بل كان صداميا وحسب، يرفع إليه من يخدم عرشه، مهما كان لونه وملته وطائفته ودينه، ويبطش بمن يمس ذلك العرش، حتى لو كان صهره وابن عمه أو أخاه. وعلى هذا الأساس كانت الأكثرية من جنوده شيعية، وعدد كبير من قادته العسكريين والمدنيين شيعة.

فلو كان المجلس الإسلامي الأعلى وباقي أحزب الدين السياسي العراقي، ومن ورائها إيران، أكثر دهاء ووعيا وعقلانية من صدام لسعى إلى جعل الانتفاضة عراقية شاملة، تهتف بالحرية والعدالة لجميع المتضررين من ظلم الديكتاتور، وليس (ماكو ولي ألا علي ونريد حاكم جعفري). ولكن لم يكن بالإمكان أفضل مما كان، مع الأسف الشديد.