إصلاح النظام وإسقاطه معا في برنامج المعارضة البحرينية

مجهولون يقودون حركة 14 فبراير

في بلدة سترة الشيعية في جنوب شرق المنامة، ينشر السكان شعاراتهم المناوئة للحكم على الجدران ويرددها شبان متحمسون في الشوارع التي تتحول كل ليلة تقريبا الى ساحة مواجهات مع الشرطة.

وبينما ترفع الجمعيات المعارضة في البحرين شعار الاصلاح والمطالبة بملكية دستورية، الا ان جمهورها في القرى الشيعية المحيطة بالمنامة بات يرفع شعارا واحدا هو "اسقاط النظام"، فيما الشرخ يستمر مع السنة الموالين باغلبهم لأسرة بن خليفة الحاكمة وعلى رأسها الملك حمد بن عيسى.

وعند الخروج من محيط "دوار اللؤلؤة" السابق الذي شكل معقل الاحتجاجات التي قادها الشيعة في 14 شباط/فبراير 2011 واخلته السلطات بالقوة قبل ان تحوله الى تقاطع وقلعة امنية، تبدأ سلسلة القرى الشيعية المنتفضة على السلطة.

فمن السنابس الى جد حفص فالبلاد القديم وعذاري غربا، تكتسي الجدران بفسيفساء فوضوية من الشعارات الاحتجاجية التي تغطيها السلطات باستمرار بطبقة من الطلاء، ثم تكتب مجددا وهكذا.

وابرز هذه الشعارات "يسقط حمد" و"يسقط آل خليفة" والشعار الشيعي المعروف "هيهات منا الذلة"، فيما ترفع الرايات الحسينية السوداء في كل مكان تقريبا.

وعلى الجدران ايضا، صور ورسوم لقادة معارضين في السجن، ابرزهم حسين مشيمع وعبدالهادي الخواجة.

في كل شارع، حاويات نفايات محترقة من الليلة الفائتة، وآثار احتراق اطارات مشتعلة، ومخلفات يتركها المحتجون على الارصفة يستخدمونها عند الحاجة لاغلاق الطريق.

وفي سترة الواقعة على جزيرة في جنوب شرق المنامة، يتجلى العداء للحكم و"النظام" والشرطة باقصى درجاته، فهي "عاصمة الثورة" كما يسميها مجموعة من المراهقين والشبان المتجمعين بالقرب من الحسينية، ينتظرون انطلاق مسيرة جديدة.

لكنهم ليسوا هنا للمسيرة، بل لما بعدها. انهم على موعد يومي مع الاشتباكات مع الشرطة، فهم يغلقون الطرقات بالحجارة ومستوعبات النفايات وجذوع الاشجار، ويرمون الحجارة وزجاجات المولوتوف على الشرطة التي ترد بالقنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي والخرطوش.

وبعد سنتين من انطلاق الاحتجاجات، ما انفكت هذه الطقوس تزداد تجذرا وتشددا بحسب الخمسيني يوسف احمد.

والبحرين هي احدى دول مجلس التعاون الخليجي، الا ان لا شيء في سترة يذكر بناطحات سحاب دبي او متاحف الدوحة، او حتى ابراج المرفأ المالي في المنامة. الفقر واضح في سترة، لاسيما بين الاطفال والمراهقين الذين يرددون بحماسة شعار "اسقاط النظام".

وبدعوة من الجمعيات المعارضة، انطلقت مسيرة بعد ظهر الاربعاء في شوارع سترة وراحت تكبر مع تقدمها بانضمام المزيد من الناس اليها. وان كان خطيب المسيرة لا يطرح شعار "اسقاط النظام"، لكن المتظاهرين يرددونه باستمرار.

وقال محمود (17 سنة) الذي ارتدى ثيابا رياضية ووضع لثاما على وجهه وتحرك مع اصدقائه لقطع الطريق "نحن غاضبون، ليس لدينا عمل، والنظام يجب ان يسقط. لقد قتلوا شهداء كثيرين".

واقر محمود الاسمر البشرة وصاحب العينين المتقدتين بانه يعرف كيف يصنع قنابل المولوتوف.

وقال "نحن نجهزها في منازل مهجورة. لقد علمنا الثوار كيف نصنعها. نحن نستخدمها في وجه الشرطة عدوتنا. انه دفاع عن النفس".

اما علي (19 عاما) فيقول "مشكلتنا ليست مع السنة. مشكلتنا مع النظام".

محمود وعلي واصدقاؤهما محسن وحسين وخليل يرددون الكلام نفسه بكلمات قليلة ومن دون طول تفكير، ويتوعدون بالعودة الى ما كان "دوار اللؤلؤة"، الا انهم ليسوا واثقين من قدرتهم على تحقيق ذلك، فالامن البحريني لهم بالمرصاد، بالرغم من ان تظاهرات الجمعيات السياسية المعارضة تحظى باذن من السلطات.

ويقول شبان الحي "الثورة ليست ضد السنة، بل ضد الحكومة واميركا وبريطانيا وفرنسا".

وهم لا يجدون فرقا بين الجمعيات السياسية و"ائتلاف شباب ثورة 14 فبراير" الذي يديره مجهولون ويمثل التيار المتشدد في المعارضة.

وبعد قيام محمود والمجموعة باغلاق الطريق عند مدخل سترة على وقع صيحات التكبير من النساء اللواتي ارتدين العباءات السود وحملن اعلام البحرين، وصلت ارتال من مدرعات وسيارات الشرطة لفتح الطريق.

بدأت بسرعة في شوارع سترة لعبة الكر والفر الاعتيادية، فهنا مجموعة ترمي الحجارة، وهناك شاب يرمي زجاجة مولوتوف من فوق مبنى صغير.

يترجل اعضاء شرطة مكافحة الشغب واضعين الاقنعة ويطلقون الغاز المسيل للدموع باتجاه التجمعات، وتظهر خلف النوافذ نساء يراقبن مدرعات الشرطة التي تعبر شوارع القرية مسرعة.

وقال يوسف احمد مع بدء آذان المغرب وتوقف المواجهات، "في 14 فبراير 2011 كانت لنا مطالب، لكننا اليوم نريد النصر او الاستشهاد".

وفي هذه الاثناء، تبدو الحياة طبيعية في مناطق اخرى من البحرين.

ففي المحرق ذات الغالبية السنية، ترفع المؤسسات والمحال التجارية صور الملك وولي العهد، وخصوصا رئيس الوزراء.

وبينما لم يكن الشارع السني مواليا بكامله في الماضي، الا ان الازمة والاحتقان الطائفي دفع بهذه الطائفة الى الالتفاف حول اسرة ال خليفة في وجه المعارضة التي يتهمونها بالولاء لمرجعيات دينية شيعية في الخارج، لاسيما في ايران.

وقالت عائشة محمد التي تملك متجرا داخل مركز تجاري في ضاحية السيف "حياتنا مستمرة ويتهيأ لنا ان كل شيء على ما يرام، لكن في الواقع نحن مجتمع منقسم عاموديا، وهذا لا يمكن ان يستمر".