شيعة العراق: الفرقة المخطوفة

يقال دفاعا عن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أن الرجل استطاع عبر سني حكمه أن ينقذ أبناء طائفته من القتل الذي كان ينتظرهم. ولكن في بلد (ديمقراطي) كالعراق الجديد، من المفترض أن تكون الأقليات فيه في منجى من القتل كيف يمكن أن تكون الأكثرية فيه مهددة بالفناء؟ الشيعة ليسوا أكثرية في العراق حسب، بل أنهم ومنذ عشر سنوات يملكون السلطة كلها (من خلال الأحزاب التي تدعي تمثيلهم)، من غير أن ينازعهم على تلك السلطة أحد. لديهم الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية العلنية (تضم أكثر من مليون شخص) ولديهم الأحزاب والميليشيات والفرق الأمنية والحواجز والسجون، اضافة إلى ما تضعه ايران من قوات في خدمتهم في ظل مباركة ورضا أمريكيين سافرين.

حتى هذه الذريعة كانت عرضة للشك، فهي لا تعبر عن الواقع.

التفجيرات والسيارات المفخخة استمرت. الاغتيالات لم تتوقف. غير أن كل ذلك القتل لم يكن مقتصرا على طائفة بعينها. لقد توزع القتل بين الفرقاء العراقيين ولم يسلم منه أحد. هذا يعني أن مفخرة المالكي الوحيدة كانت ولا تزال قائمة على أساس هش. وما الاعلان عن تأسيس جيش المختار لغرض التصدي وبطريقة طائفية للتظاهرات والاعتصامات السلمية المناوئة لحكومة المالكي إلا دليل على ذلك الوضع الأمني الهش الذي يعيشه العراق. وبغض النظر عن تلك الخطوة التي توحي بفكرة الثأر المقيتة، فان وجود جيش المهدي الذي يتزعمه مقتدى الصدر والذي يشكل تهديدا مستمرا للسلم الأهلي، ما كان المالكي يتغاضى عنه إلا لكونه يشكل من وجهة نظره الطائفية واحدة من دعائم القوة التي تشعر الطائفة معها بالاطمئنان.

ولكن ذلك الاطمئنان كان ولا يزال قائما على اساس هش هو الآخر. فجيش المهدي الذي كانت له صولاته الاجرامية في سنتي الحرب الاهلية (2006ـ 2007) انما يشكل جهة خارجة على القانون. ذلك لان أفراده كانوا قد ارتكبوا مجازر بشعة في حق السكان المدنيين. قتلوا الألاف وشردوا مئات الالاف من مناطق سكناهم. أغتصبوا ونهبوا وأحرقوا وأعدموا وأقاموا المحاكم الصورية، غير القانونية.

كلها جرائم ضد الإنسانية، سجلها التاريخ وحُفرت آثارها في نفوس وضمائر العراقيين، بل أن جزءا منها قد تم توثيقه بالصورة.

لذلك فلا أحد يضمن أن لا تفتح ملفات تلك الجرائم يوما ما. وقد لا يكون ذلك اليوم بعيدا. اما السكوت عنها، وإن جرى مؤقتا، في ظل التجييش الطائفي الذي يمارسه المالكي وسواه من الطائفيين فانه يشكل لطخة عار مضافة، سيكون على العراقيين يوما ما أن يندموا بسببها.

فالأكثرية لا تحمي نفسها عن طريق الجريمة.

ومن يزعم أنه ممثل للأكثرية كما يفعل المالكي، عليه أن يقدم نموذجا لما يمكن أن تفعله تلك الأكثرية من أجل بناء وطن سعيد، ببشره وبثرواته وبحظه من التقدم والرفاهية وتطبيق وصيانة القانون وحماية أبناء الشعب والسير بهم إلى الأمام. غير أن الواقع يقول وبشكل لا تخطئ حتى الحواس الصماء الطريق إليه أن الأكثرية ليست في حال أفضل من الأقليات. الأكثرية التي تزعم آلة المالكي وما يسمى بالأحزاب الشيعية الدعائية (فضائيات وصحف وحسينيات ومنابر) أنه انقذها من هلاك مؤكد (لا يزال يتربص بها)، يعيش جزء عظيم منها تحت خط الفقر. باستثناء مدينة النجف فان أية مدينة في العراق من جنوبه إلى غربه لم تشهد أية محاولة للإعمار أو لإعادة تأهيل البنية التحتية. أما بغداد فانها صارت بوجود المالكي واحدة من أقبح المدن في العالم وأكثرها رثاثة.

من كل هذا نصل إلى حقيقة أن المالكي انما يتخذ من الكذبة التي تزعم أن حياة الشيعة في العراق مهددة وأن هناك من ينتظر وقوع أي فراغ أمني ليبطش بهم ستارا لتبرير وجوده الخالي من أي نفع بل والمضر للعراقيين، حيث يقف الشيعة في مقدمة الجهات المتضررة.

ان عزل الشيعة بالطريقة التي يعمل عليها المالكي (حزبه من ورائه) والأحزاب الطائفية الأخرى انما يجعل منهم أفرادا في فرقة مخطوفة.