المغرب يعيد افتتاح كنيسة 'صلاة الفاسيين' اليهودية

عنوان التسامح والتعايش في ارض السلام

فاس (المغرب) ـ أعلن في المغرب الأربعاء عن إعادة افتتاح الكنيسة اليهودية "صلاة الفاسيين" في مدينة فاس بعد ترميمها ضمن حفل حضره عدد من الشخصيات المغربية والألمانية بالإضافة إلى مجموعة من ممثلي الطائفة اليهودية وبعض المثقفين المغاربة.

وأكد رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بنكيران أن افتتاح الكنيسة اليهودية يشكل "درسا للقرن 21 يوجهه المغرب لبقية العالم"، مشيرا إلى أن الحدث يكرس هوية المغرب كأرض للسلام والتسامح والتعايش السلمي بين مختلف معتنقي الديانات السماوية.

وتم تمويل عمليات ترميم الكنيسة عبر هبات ساهمت بها كل من الجمهورية الفيدرالية الألمانية والطائفة اليهودية بفاس ومؤسسة "جاك توليدانو" بالإضافة إلى سيرج وجاك بيرديغو وعائلة سيمون ليفي.

واشاد العاهل المغربي الملك محمد السادس بافتتاح الكنيسة اليهودية "صلاة الفاسيين" بفاس بعد ترميمها وبجهود "مؤسسة التراث الثقافي اليهودي المغربي" في هذا الإنجاز.

ونوه الملك محمد السادس في رسالة وجهها إلى المشاركين في حفل افتتاح الكنيسة اليهودية بتضافر الجهود "المشكورة لكل من حكومة الجمهورية الفدرالية الألمانية والشخصيات والمؤسسات الرفيعة التي ساهمت في الحفاظ عليها وتجديدها٬ باعتبارها معلمة تاريخية تم تشييدها خلال القرن السابع عشر".

وقال العاهل المغربي "إن دل ذلك على شيء٬ فإنما يدل على غنى وتنوع المكونات الروحية والتراث الأصيل للمملكة المغربية٬ هذا التراث الذي انصهرت في بوتقته الخصوصية اليهودية المغربية التي يمتد تاريخها المتجذر بالمغرب وعبر طقوسه وخصوصياته٬ إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام".

ودعا الملك محمد السادس "إلى ترميم كافة المعابد اليهودية في مختلف المدن المغربية الأخرى لتصبح٬ ليس فقط مكانا للعبادة٬ وإنما أيضا فضاء للحوار الثقافي ولإحياء القيم الحضارية للمغرب"، مؤكدا على أن "التقاليد الحضارية المتأصلة للمغاربة٬ تستمد روحها من تشبعهم العميق بقيم التعايش والتسامح والوئام بين مختلف مكونات الأمة..".

وتعد الكنيسة اليهودية "صلاة الفاسيين" التي يعود تاريخ بنائها إلى القرن 17 من المعالم التاريخية للثقافة اليهودية التي تحتضنها مدينة فاس المصنفة من طرف منظمة (اليونسكو) ضمن التراث العالمي الإنساني.

وتقع هذه الكنيسة اليهودية بحي (الملاح) الشهير بمحاذاة الحصن المريني وتشغل أحد أبراجه. وقد شيدت هذه الكنيسة في القرن 17 وتم اتخاذها لاحقا كورشة لصناعة الزرابي ثم كقاعة للرياضة، لكن ورغم هذه الاستخدامات المختلفة فقد استطاعت هذه الكنيسة اليهودية ان تحافظ على مظهرها الأصلي.

ومنذ منتصف التسعينيات نجحت "مؤسسة التراث الثقافي اليهودي المغربي" التي كان يشرف عليها الراحل سيمون ليفي في تعبئة العديد من الشركاء والمانحين من اجل إعطاء الانطلاقة لأشغال ترميم هذا المعبد الديني اليهودي الذي يعد من بين أقدم المعابد اليهودية بفاس.

ولعب هذا المعبد أدوارا مهمة في الحياة الروحية للطائفة اليهودية بفاس التي كان عددها يقدر بحوالي 30 ألف نسمة.

وقال محمد أمين الصبيحي وزير الثقافة المغربي إن إعادة ترميم الكنيسة اليهودية (صلاة الفاسيين) بفاس التي يعود تاريخ بنائها إلى القرن 17، يشكل خطوة هامة في المجهود الذي يروم الحفاظ على التراث الثقافي المغربي.

وأوضح الصبيحي٬ خلال حفل تدشين هذا المعبد اليهودي بعد ترميمه٬ أن السلطات العمومية ولاسيما وزارة الثقافة عبرت٬ انطلاقا من حرصها على دعم ومصاحبة هذه الخطوة٬ عن التزامها بالمساهمة في الحفاظ على التراث اليهودي المغربي في إطار سياسة عمومية تستهدف بالخصوص الحفاظ على التراث الثقافي الوطني ككل.

وأضاف الوزير المغربي أن الحفاظ على التراث الثقافي اليهودي المغربي يشكل واجبا يكتسي اليوم صبغة استعجالية٬ مما "يحتم على الجميع حمايته من التدهور والحيلولة دون انقراض هذا الكنز الوطني الذي يتكون من مخطوطات ووثائق ومؤلفات نادرة باللغة العربية المكتوبة بحروف عبرية".

واشار إلى أن "هذا التراث يظل من خلال مواقعه التاريخية وبيعاته وأحيائه المعروفة بالملاح وأضرحته ومقابره خير شاهد على التاريخ المشترك الممتد لمئات السنين والذي ينقل للأجيال القادمة إرثا ثمينا هو إرث التعايش الذي كان على الدوام خاصية تميز المغاربة منذ القدم".

وقال إن العديد من الكتاب المغاربة عمدوا إلى التأريخ لهذا التعايش الذي امتد لأكثر من ألفي سنة والذي عكسته روايات ودراسات كتلك التي خلفها إدموند عمران المالح وحاييم الزعفراني وشمعون ليفي ومحمد كنبيب وباحثين آخرين ممن ينتمون للجيل الجديد.

وأكد وزير الثقافة المغربي على أن المغرب ظل٬ على امتداد تاريخه٬ فضاء للتبادل ولالتقاء الثقافات وهو الأمر الذي حدد عبر عدة قرون هوية وطنية ترتكز على قيم التسامح والتآخي والتشارك٬ مشيرا إلى أن الدستور الجديد للمملكة يصب في هذا الاتجاه.

وحضر حفل تدشين الكنيسة اليهودية بفاس٬ الذي نظم تحت الرعاية السامية للعاهل المغربي الملك محمد السادس٬ على الخصوص اندري ازولاي مستشار العاهل المغربي الملك محمد السادس وسيرج بيرديغو السفير المتجول لملك المغرب ورئيس المجلس الإداري لمؤسسة التراث الثقافي اليهودي المغربي ومحند العنصر وزير الداخلية المغربي وإدريس اليزمي رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب.

كما حضره رئيس البرلمان الألماني "البوندستاغ" نوربرت لاميرت وسفير الجمهورية الفيدرالية الألمانية بالمغرب ميكاييل ويتر بالإضافة إلى جاك طوليدانو الرئيس التنفيذي لمؤسسة التراث الثقافي اليهودي المغربي وأرموند كيكي رئيس الطائفة اليهودية بفاس وعدد من المسؤولين المحليين بالمدينة.

وأكد أندري أزولاي أن تدشين الكنيسة اليهودية "صلاة الفاسيين" بفاس بعد ترميمها "يعكس غنى وحيوية وتنوع المغرب".

وقال أزولاي على هامش مشاركته في حفل افتتاح هذه الكنيسة اليهودية إلى جانب العديد من الشخصيات السياسية وممثلي الطائفة اليهودية بالمغرب أن هذا الحدث يعكس "غنى التاريخ المغربي وتنوع مكوناته كما يعكس الحيوية التي رسخها صاحب الجلالة الملك محمد السادس والتي أعطاها جلالته القوة والمشروعية".

وأضاف إن هذا الحدث يشكل "تجسيدا لقوة المغرب ولدستوره الذي حدد لنا خارطة طريق لنقاوم النسيان وفقدان الذاكرة" مشيرا إلى ان تدشين هذه الكنيسة اليهودية" يعكس أيضا كل قيم احترام الآخر واحترام الاختلاف وهي القيم التي اندثرت في العديد من بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط ".

ونوه أزولاي في هذا الإطار بالراحل شمعون ليفي الذي عبأ حين كان على رأس "مؤسسة التراث الثقافي اليهودي المغربي" العديد من الشركاء والمانحين من أجل المساهمة في إعادة ترميم هذا المعبد اليهودي الذي يعد أحد المكونات الأساسية للتراث اليهودي المغربي بفاس.

ومن جهته، قال رئيس البرلمان الألماني "البوندستاغ" نوربرت لاميرت إن المغرب يعد من بين الدول العربية القليلة التي لها عادات وتقاليد عريقة في احترام الثقافات والديانات الأخرى.

وأوضح نوربرت لاميرت٬ أن اليهود "كانوا متواجدين منذ 2000 عام بالمغرب حيث وجدوا الحماية والملجأ في الوقت الذي كانوا مضطهدين فيه بأماكن أخرى".

وأكد أن المعابد اليهودية ليست مجرد أماكن للعبادة ولكنها أيضا معالم أثرية ذات حمولة ثقافية وتاريخية٬ مشيرا إلى أن هذه الأبعاد "تجسدها كنيسة "صلاة الفاسيين"، ولذلك ساهمت الحكومة الفيدرالية الألمانية في تمويل عمليات ترميمها".

واعتبر المسؤول الألماني أن حضور مسؤولين كبار يعتنقون الديانة الإسلامية وآخرين يعتنقون الديانة المسيحية حفل تدشين معبد يهودي "يشكل دلالة قوية"٬ ويعكس أهمية الطابع الاحتفالي لهذا الحدث.