روسيا تسعى لردّ نفوذ فرنسا في أفريقيا والشرق الأوسط على أعقابه

هل قرر الدب الروسي ألا يصمت مستقبلا؟

موسكو - كشفت روسيا الاربعاء انها تزود الحكومة المالية باسلحة نارية فيما فككت القوات الفرنسية قنبلة يدوية الصنع في كبرى مدن شمال البلاد ما يعكس استمرار التهديد الذي يشكله المتمردون الاسلاميون.

واعلن مدير الوكالة الروسية العامة المكلفة تصدير الاسلحة "روسوبورون اكسبورت" الاربعاء ان روسيا زودت سلطات مالي بأسلحة نارية وان المفاوضات جارية لتسليم المزيد من الاسلحة.

وتسعى سلطات مالي لإعادة الامن الى البلاد بعدما ساعدها التدخل العسكري الفرنسي على طرد المتمردين الإسلاميين المرتبطين بتنظيم القاعدة الذين كانوا يسيطرون على شمال البلاد.

وصرح اناتولي ايسايكين "لقد سلمنا اسلحة نارية.. واخر عملية تسليم تمت قبل اسبوعين.. المفاوضات جارية لعمليات تسليم اضافية بكميات صغيرة"، حسبما نقلت عنه وكالات الانباء الروسية.

ولم تعلّق باريس عن هذه الخطوة الروسية نحو فضاء خلفي تبذل (فرنسا) جهودا مضنية من أجل الحفاظ عليه تحت السيطرة.

وسارعت فرنسا إلى إعلان الحرب على الحركات الإسلامية المتشددة التي احتلت جزءا كبيرا من الأراضي المالية دون ان يسجل في ذلك موقفا روسيا يذكر في اتجاه دعم موقف باريس التي خاطرت بتحمل أعباء الهجوم المالية بمفردها.

ويأتي إعلان روسيا عن إرسال صفقات من السلاح إلى مالي كخطوة مفاجئة وغير مفهومة، وذلك بعد يومين من التلاسن الديبلوماسي بين باريس وموسكو وصلت إلى حد الاتهام المتبادل بالتسبب في تغذية النزاعات الدائرة سواء في سوريا أو في منطقة الساحل والصحراء وذلك بالدعم المباشر وغير المباشر لأطراف النزاع بالسلاح الذي يتسبب في إطالة أمد المعارك.

واعرب وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس الثلاثاء عن اسفه لوجود كميات كبيرة من الأسلحة في سوريا، متهما بصورة ضمنية موسكو بتسليمها، وذلك ردا على انتقادات نظيره الروسي سيرغي لافروف حول الحروب الفرنسية في الشريط الصحراوي الساحلي.

وقال فابيوس في مؤتمر صحافي عقده في ختام اجتماع دولي حول ليبيا "صحيح ان ثمة كثيرا من الاسلحة في هذه المنطقة من الساحل، كثيرا من الأسلحة، من مصادر مختلفة.. وبالطريقة نفسها، ثمة كثير من الاسلحة في سوريا ونعرف من اين تأتي".

وكان فابيوس يرد على سؤال طرحه صحافي حول تصريحات لافروف الذي اخذ على فرنسا الاحد "انها تحارب في مالي الذين سلحتهم في ليبيا" وانها "لا تنظر الى الامور نظرة شاملة".

وتخفي هذه التصريحات على ما يبدو حربا روسية فرنسة باردة على مناطق النفوذ في إفريقيا والشرق الأوسط.

وأسهم التدخل الفرنسي المباشر في ليبيا في اسقاط العقيد الليبي الراحل معمر القذافي أحد أبرز حلفاء موسكو في شمال افريقيا، ما جعل موسكو تخسر لاحقا مليارات الدولارات في صفقات تسليح ضخمة أبرمتها مع النظام الليبي السابق.

ويبرز الاختلاف الفرنسي الروسي في الملف السوري بوضوح.

وبينما "تجاهد" فرنسا ديبلوماسيا واعلاميا من أجل إسقاط النظام السوري احد آخر اشد الأنظمة اقترابا من موسكو في المنطقة، تسعى موسكو بكل قوة، ديبلوماسيا وعسكريا إلى عدم ارتكاب نفس الخطأ في ليبيا وترك بشار الأسد لمصيره.

ويعرقل الموقف الروسي في سوريا جهودا دولية عديدة أهمها الجهد الفرنسي في للتخلص من نظام الأسد بما سوف يبعد النظام الذي سوف يخلفه في دمشق نهائيا عن الارتباط بموسكو ويضع المصالح الروسية في هذا البلد تمر لاحقا من بوابة الدول الغربية وخاصة من فرنسا التي تتوقع بحكم موقفها العامل بوضوح على اسقاط الأسد، أن تصبح الدولة الأكثر نفوذا في سوريا.

ويعتقد مراقبون أن التدخل الروسي في مالي سوف يسقط من ايدي فرنسا ورقة ظغط مهمة على الجزائر الجار الشمالي القوي لمالي.

ويؤكد محللون ان فرنسا تبحث بتقوية وجودها في مالي، على أن تظل قوة لا محيد عنها بالنسبة للجزائر في ضمان أمنها من الجنوب مع ما يفرضه ذلك من ضرورة أخذها بعين الاعتبار لمصالح فرنسا الاقتصادية لديها، في أي خطوة للانفتاح على الاستثمارات الخارجية للمستعمرة الفرنسية السابقة، أو أي علاقات تجارية ممكنة.

وترتبط الجزائر ايضا مع موسكو بعلاقات عسكرية قوية تجسمت في أكثر من صفقة سلاح ضخمة على مدى السنوات الماضية.

واستوردت الجزائر في عام 2012 ما قيمته 8.2 مليار دولار من الأسلحة الروسية لتحتل الترتيب السابع في قائمة أهم مستوردي السلاح الروسي في العالم.

وتنظر الجزائر بإيجابية إلى أي تنافس دولي على مناطق النفوذ في ساحتها الخلفية بدول الساحل والصحراء لأنه سيضعف من حدة الهجمة الفرنسية على المنطقة مع ما يثيره ذلك من اشكالات للدولة الجزائرية الباحثة عن التحليق خارج سرب العلاقة الصعبة مع المستعمر الفرنسي السابق.

ورغم الإعلان عن جملة من الصفقات الاقتصادية والتجارية خلال زيارة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند إلى الجزائر نهاية العام 2012، فإن العديد من الخلافات الموروثة عن فترة الاستعمار، ما تزال تلقي بظلالها على العلاقات بين البلدين.

ويقول محللون إن دخول موسكو على خط الصراع الغربي على القارة السمراء يمكن أن يعيق المشروع الفرنسي في آخر قلاع نفوذه بشكل كبير، هذا عدا عن الصراع الفرنسي غير المعلن مع القوة الأميركية التي ترقب التطورات عن بعد، دون أن تعلن استعدادها للتخلي عن مصالحها في القارة الإفريقية المرشحة لأن تكون دائرة الصراع الاولى في العالم في سنوات قليلة مقبلة.