قتلى الثورة المصرية وما بعدها في طي التناسي

حين تصبح اجهزة الامن آلة قتل

القاهرة ـ رفعت الاشتباكات التي اندلعت خلال الذكرى السنوية الثانية للثورة، التي أزاحت رئيس مصر السابق حسني مبارك في 11 فبراير/شباط 2011، عدد المصريين الذين قتلوا منذ اندلاع الانتفاضة إلى ما لا يقل عن 1.085 شخصاً، وفقاً لتقارير وسائل الاعلام وإحصاءات وزارة الصحة وتقييمات مستقلة أعدتها منظمات غير حكومية محلية.

وقال محمد بهنسى، الناشط في مجال حقوق الإنسان، أن العدد الإجمالي للضحايا قد يكون أعلى من ذلك بكثير، ودعا إلى إجراء تحقيق مناسب.

وأضاف قائلاً "إننا بحاجة ماسة إلى إجراء تحقيق جدي في أحداث العنف التي رافقت الثورة والتي تلتها. إن بعض الناس قُتلوا ودُفنوا دون تحديد هويتهم أو الأسباب التي أدت إلى قتلهم".

وكان بهنسى عضواً في لجنة تقصي الحقائق التي شكلتها الحكومة في أعقاب الثورة لجمع البيانات حول عدد القتلى والجرحى الذين سقطوا خلال الانتفاضة الشعبية، لكنه قال أن التلاعب في الأدلة وإتلافها - من قبل جهاز أمن الدولة السابق، حسب اتهاماته - يمنع مساءلة الأشخاص المسؤولين، وتضليل المحققين بشأن العدد الحقيقي لضحايا الثورة والأشخاص المسؤولين عن قتلهم أو إصابتهم بجروح.

وأوضح أيضاً أن "أشخاصاً آخرين قُتلوا، لكنهم لم يعتبروا من ضحايا الثورة،" وذلك في إشارة إلى الأفراد الذين أصيبوا خلال الثورة، ونقلوا إلى المستشفيات لتلقي العلاج، ثم وافتهم المنية بعد أن غادروا المستشفيات.

وينظر دائماً إلى ما يسمى بالربيع العربي في مصر على أنه سلمي، مقارنة بالأوضاع السائدة في سوريا وليبيا واليمن، لكن الأرقام تحكي قصة مختلفة. ونظراً لغياب إحصاءات رسمية شاملة، نقدم فيما يلي ملخصاً للخسائر البشرية الناجمة عن الثورة المصرية في العامين الماضيين:

انتفاضة 25 يناير

سقط معظم الضحايا خلال الثورة الأولى نفسها، والتي بدأت في 25 يناير 2011 (عندما خرج آلاف المصريين إلى الشوارع للمطالبة بالمزيد من العدالة الاجتماعية والحقوق السياسية) وانتهت بعد 18 يوماً بتنحي مبارك عن السلطة بعد أن حكم مصر لمدة 30 عاماً. ووفقاً لوزارة الصحة، قُتل 846 شخصاً وأصيب 6.467 آخرين بجروح، على الرغم من أن منظمات المجتمع المدني تعتبر هذه الأرقام متحفظة للغاية ومجالاً واسعاً للنقاش. وذكرت المستشفيات أن بعض الجرحى أصيبوا عمداً بطلقات مطاطية في أعينهم. وكان من أكثر الأيام دموية يوم 28 يناير/كانون الاول عندما هاجمت الشرطة المحتجين الذين تجمعوا في ميدان التحرير بوسط القاهرة، الذي صار رمزاً، عقب صلاة الجمعة، ويوم 2 فبراير/ شباط خلال ما سمي "موقعة الجمال" عندما اقتحم المئات من المتعاطفين مع مبارك الميدان ممتطين الإبل والخيل في محاولة يائسة لتفريق المتظاهرين. (وقد خلفت الاشتباكات التي تلت ذلك 11 قتيلاً وأكثر من 600 جريح).

حادث ماسبيرو

جاء أول يوم دامٍ في مصر بعد الثورة بعد مرور ثمانية أشهر تقريباً على رحيل مبارك، عندما توجه آلاف المتظاهرين المسيحيين إلى مبنى التلفزيون الوطني، المعروف باسم ماسبيرو، للاحتجاج على هجوم على كنيسة في جنوب مصر في وقت سابق.

رحلة القتل تتواصل بعد مبارك

وتطورت المناوشات البسيطة بين المتظاهرين ورجال الشرطة العسكرية الذين كانوا يحرسون المبنى إلى اشتباكات دامية أسفرت عن مقتل 25 متظاهراً وإصابة 329 آخرين، وفقاً لوزارة الصحة.

وقدمت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وهي منظمة غير حكومية محلية، وصفاً للتفاصيل البشعة لتلك المذبحة في أحد تقاريرها. كما أظهرت لقطات الفيديو سيارات الجيش المدرعة وهي تدهس المتظاهرين في الشوارع.

العدالة للضحايا

وبعد مضي شهر تقريباً، في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2011، تجمع مئات المتظاهرين أمام مبنى مجلس الوزراء في وسط القاهرة للمطالبة بالعدالة لضحايا الثورة.

وسرعان ما اندلعت اشتباكات بين المتظاهرين والشرطة التي تحرس المبنى أدت إلى إصابة 44 شخصاً بجروح. وقد مهدت هذه الاشتباكات الطريق لاشتباكات دموية بعد بضعة أيام قرب وزارة الداخلية في وسط القاهرة، مما أدى إلى مقتل 65 شخصاً وجرح أكثر من 4.500 آخرين في الاشتباكات الأكثر عنفاً منذ قيام الثورة.

شغب كرة القدم

في الأول من فبراير/ شباط 2012، أدى تدافع المتفرجين بعد مباراة لكرة القدم في بورسعيد إلى مقتل 71 مشجعاً، وفقاً لوزارة الصحة - على الرغم من أن تقارير وسائل الاعلام قدرت عدد الضحايا بما بين 73 و79 - وإصابة المئات غيرهم بجروح.

وكان الضحايا ينتمون إلى جماعة ألتراس أهلاوي، وهي مجموعة من أنصار النادي الأهلي لكرة القدم شاركت بقوة في الاحتجاجات المناهضة لمبارك والاشتباكات ضد رجال الشرطة أثناء وبعد الثورة.

وقد أظهرت لقطات الفيديو التي تم تصويرها رجال الشرطة واقفين مكتوفي الأيدي بينما كانت الجماهير تتعرض لهجوم بالسكاكين والعصي من قبل أنصار مزعومين للفريق المضيف، وهو النادي المصري بمدينة بورسعيد. وكانت لدى العديد من الأشخاص قناعة بأن تلك الأحداث جاءت في إطار تصفية حسابات قديمة بين الشرطة ومشجعي كرة القدم الناشطين سياسياً.

وبعد مرور عام واحد، في يناير/ كانون الثاني 2013، انتهت المظاهرات التي خرجت في بورسعيد عقب صدور أحكام بإعدام 21 من السكان المحليين الذين أدينوا في جرائم القتل، بمقتل 40 شخصاً أثناء اشتباكات مع قوات الأمن.

الاحتجاجات المناهضة للحكم العسكري

في 2 مايو/ ايار 2012، تفجرت موجة أخرى من أعمال العنف في محيط وزارة الدفاع، شمال شرق القاهرة، عندما ذهب آلاف المتظاهرين، معظمهم من الإسلاميين، إلى مبنى الوزارة للمطالبة بنهاية سريعة لحكم الجيش الذي كان يقود المرحلة الانتقالية.

وقُتل ما لا يقل عن 11 شخصاً وجُرح المئات غيرهم في مشاهد أعادت إلى الأذهان الهجوم على المتظاهرين المسيحيين السلميين أمام مبنى التلفزيون.

الذكرى الثانية للثورة

في الذكرى الثانية للثورة ضد مبارك، خرج عشرات الآلاف من المصريين إلى الشوارع، في جميع المحافظات تقريباً، لكن ليس للاحتفال بعزل الرئيس السابق، بل للاحتجاج على الرئيس الجديد.

وفي 25 يناير/كانون الثاني 2013، اندلعت اشتباكات بين رجال الشرطة والمتظاهرين في عدة مدن، مما أدى إلى مقتل عدة أشخاص من الجانبين، بما في ذلك 10 في مدينة السويس. واستمرت الاشتباكات حتى 4 فبراير/ شباط وأسفرت عن مقتل 15 شخصاً آخرين في المحافظات الأخرى، بما في ذلك القاهرة.

وجاءت الانتخابات التي أجريت في فترة ما بعد الثورة بالرئيس الإسلامي محمد مرسي التابع لجماعة الإخوان المسلمين، لكنه خلال الأشهر السبعة التي قضاها في السلطة، أثار غضب الشباب وقوى المعارضة الذين أطلقوا شرارة الثورة الأصلية.

ويقول هؤلاء أن الرئيس الجديد غير ديمقراطي، وينتهج سياسة إقصائية، ويحاول تعظيم مكاسب حزبه، ولا يفي بوعوده. كما أدى الجدل حول ما يعتبره البعض دستوراً إسلامياً، جنباً إلى جنب مع تدهور الاقتصاد وارتفاع أسعار المواد الغذائية واستمرار انعدام الأمن، إلى تفاقم الأزمة. ويقول أنصار مرسي أنه ورث العديد من المشاكل التي بدأت في عهد مبارك ولم يمنحه أحد فرصة كافية لحلها.