مسلحون مستأجرون على السفن يضعون حدا لنشاط قراصنة الصومال

تراجع نشاط القرصنة مثير للجدل

وسط عدد من الركاب المسنين الجالسين على مقاعد فوق ظهر السفينة كان يقف عدد من الحراس يدققون النظر على مدى البصر بحثا عن أي قراصنة في خليج عدن يمكن أن يشكلوا خطرا على سفينتهم.

وبعد أكثر من نصف عقد شن خلاله رجال صوماليون يستقلون زوارق سريعة هجمات على السفن في المحيط الهندي مستخدمين بنادق كلاشنيكوف وخطافات وسلالم لاعتلاء السفن بدأ عدد هذه الهجمات في التراجع سريعا.

ويقول ضباط بحرية يرصدون عمليات القرصنة إن آخر حادث نجح فيه قراصنة في الاستيلاء على سفينة تجارية كان قبل تسعة أشهر على الأقل.

وشتان ما بين ذلك وبين الوضع قبل عامين حين كان نشاط القرصنة في عنفوانه وكان يمكن الاستيلاء على عدة سفن في أسبوع واحد للمطالبة بفدى بملايين الدولارات يتم إسقاطها من الجو.

ولكن أثناء مرور السفينة كوين ماري 2 إحدى أشهر عابرات المحيطات في العالم عبر البحر الأحمر والمحيط الهندي، متوجهة إلى دبي فإن ملاكها وأفراد طاقهما لا يتركون شيئا للصدفة.

ويقول الليفتنانت كوماندر أولي هاتشينسون ضابط الاتصال من البحرية الملكية البريطانية على متن السفينة اثناء رحلتها بالمحيط الهندي متحدثا للركاب "القراصنة يحملون أسلحة ولا يخشون استخدامها.. وبمجرد أن يحدد القراصنة هدفهم سيلجأون إلى أي وسيلة ممكنة للصعود على متن السفينة".

وكي يؤكد هاتشينسون هذه النقطة عرض صورة لطائرة هليكوبتر إيطالية أصيبت بنيران اسلحة خفيفة أطلقت من مركب شراعي يستقله قراصنة العام 2012 ثم عرض مجموعة من الصور لمسلحين يحملون بنادق كلاشنيكوف وقاذفات صاروخية.

وفي الحقيقة لا توجد مخاطر تستهدف على وجه الخصوص السفينة كوين ماري 2 التي تقل 2500 مسافر وطاقما يضم 1300 وهي في طريقها من ساوثامبتون إلى دبي في أولى محطات رحلة سياحية عالمية.

يبلغ طول السفينة نحو 345 مترا وتتألف من 14 طابقا حتى أن سطحها المفتوح للتمشية يرتفع سبعة طوابق عن سطح البحر. وتتميز السفينة بسرعتها وصعوبة الصعود إليها كما أنها مسلحة تسليحا جيدا إلى حد ما في هذه الرحلة على الأقل.

ومثل الكثير من السفن التجارية تحمل السفينة كوين ماري 2 حراسا مسلحين مستأجرين حين تمر عبر مناطق تنطوي على مخاطر قرصنة.

ورفضت شركة كونارد المالكة للسفينة الحديث عن التفاصيل الدقيقة للترتيبات الأمنية. لكن الحراس المستأجرين على السفن الأخرى عادة ما يحملون بنادق من نوع إم-16 وأحيانا بنادق آلية وغالبا ما يتم الحصول عليها من سفن تحولت إلى مستودعات أسلحة عائمة قرب جيبوتي وسريلانكا.

وهناك مجموعة من الحراس الإضافيين من قوة الأمن النظامية على متن السفينة -ومعظم أفرادها من الفلبينيين- يتمركزون على ظهر السفينة للتحذير من أي مركب مثير للريبة.

ويقول الكومودور كريستوفر رايند القبطان الكبير بشركة كونارد ومقرها بريطانيا والربان الحالي للسفينة كوين ماري 2 "بناء على التطورات الخاصة بالهجمات آمل أن نستطيع تقليص الإجراءات الأمنية عندما نمر عبر نفس المياه في العام المقبل".

وأضاف "لكننا لن نتخذ مثل هذا القرار في هذه المرحلة".

وعندما تتعرض السفن للهجوم فإن أول هاتف يدق جرسه عادة هو هاتف جناح أبيض كائن بحديقة السفارة البريطانية في دبي.

وقد أسست منظمة التجارة البحرية البريطانية بعد فترة وجيزة من هجمات 11 سبتمبر/أيلول عام 2001 لتقديم المشورة الأمنية لحركة الملاحة البريطانية في المنطقة.

ومع تصاعد هجمات القراصنة في النصف الثاني من العقد الماضي، وجدت المنظمة نفسها منسقا لحركة الملاحة الدولية عبر كثير من مناطق المحيط الهندي.

ومعظم السفن التي تمر عبر المنطقة من السفن الحاويات والناقلات والبواخر السياحية والمراكب الشراعية تسجل نفسها الآن يوميا لدى منظمة التجارة البحرية البريطانية.

وفي حال رأت إحدى السفن أنها في خطر فإنها تتصل بالفريق البريطاني لطلب الدعم العسكري.

وقال اللفتنانت كوماندر سايمون جودس المدير المسؤول حاليا في المكتب "تلقينا مكالمات كان يمكن سماع دوي أعيرة نارية وقاذفات صاروخية في الخلفية.. ولكن في الآونة الأخيرة قل كثيرا عدد المرات التي يدق فيها جرس الهاتف".

وأضاف جودس أن الهجوم الوحيد المؤكد في 2013 كان على سفينة تجارية في أوائل يناير/كانون الثاني أثناء إبحارها إلى ميناء مومباسا الكيني. وتمكن أفراد الأمن الخاص على متن السفينة من إحباط الهجوم بعد 30 دقيقة من تبادل إطلاق النار.

ووفقا للقوة البحرية لمكافحة القرصنة التابعة للاتحاد الأوروبي، لم يشهد عام 2012 سوى 36 هجوما مؤكدا و73 "حادثا مريبا" وهي الحوادث التي يبلغ فيها طاقم السفينة عن مركب مريب ربما يكون به قراصنة ولكنه قد يكون ببساطة مجرد قارب صيد. ويمثل ذلك انخفاضا كبيرا عن عام 2011 الذي شهد 176 هجوما و166 "حادثا مريبا".

وتم الاستيلاء على خمس سفن فقط عام 2012 انخفاضا من 25 في 2011 و27 في 2010.

ويدور جدل بشأن الأسباب الدقيقة لتراجع نشاط القرصنة الصومالية.

وربما ليس مفاجئا أن تقول قوات البحرية التي تقوم بدوريات في المحيط الهندي إن الاحصاءات تظهر أنها تمكنت أخيرا من احداث تأثير.

ومنذ أن جذبت القرصنة اهتماما عالميا للمرة الأولى عام 2008 أرسل عدد من الدول سفنا إلى المنطقة.

وأثناء إبحارها عبر الممر الموصى به دوليا وهو مسار محمي بين الصومال واليمن، مرت السفينة كوين ماري 2 على سفن حربية من الولايات المتحدة وفرنسا والهند وأستراليا.

وبجانب قوة الاتحاد الأوروبي هناك أساطيل تابعة لحلف شمال الأطسي وقوات ائتلاف تقوده الولايات المتحدة غالبا ما تضم سفنا آسيوية.

ونشرت عدة دول أخرى بينها الصين وروسيا سفنا هناك وتقوم بتسيير دوريات عبر "المنطقة عالية المخاطر".

ورغم ذلك ليس في اعتقاد الجميع أن ذلك هو تفسير تراجع نشاط القراصنة. فالكثيرون في قطاع الملاحة البحرية يرون أن انحسار الهجمات جاء نتيجة لقرار تكثيف استخدام الحراس المسلحين.

وحتى الآن لم يستول القراصنة على اي سفينة يوجد على متنها حراس مسلحون رغم أن ضباطا من البحرية وخبراء في متابعة القرصنة قالوا إن الحراس المستأجرين يمكن أن يستخدموا أسلحتهم لأتفه الأسباب، وقد أطلقوا النار على صيادين أبرياء من الهند وسلطنة عمان واليمن.

وقبل فترة قصيرة من دخولها قناة السويس أجرت كوين ماري 2 تدريبا أمنيا لتوعية الركاب بما يجب ان يفعلوه اذا تعرضت السفينة لهجوم.

وتلقى الركاب توجيهات بالتجمع خارج الغرف اسفل الدرج المؤدي من طابق لآخر حتى زوال الخطر.

ومع حلول الظلام تصدر التعليمات بحجب أنوار السفينة. ويسدل الركاب الستائر على الفتحات ونوافذ الشرفات في غرفهم بينما يضع أفراد الطاقم ستائر حاجبة للضوء في الأماكن العامة. ورغم ذلك تظل أنوار الملاحة الأساسية مضاءة لتجنب حوادث التصادم.

ويقول الكومودور ريند إن الغرض من ذلك هو جعل الأمر أكثر صعوبة على القراصنة في تحديد نوع السفينة كوين ماري 2 والمسافة التي تبعدها فضلا عن أن حجب أنوار السفينة يسهل الأمر على الحراس المزودين بأجهزة للرؤية الليلية.

ورغم ذلك يبدو ركاب السفينة غير مكترثين بالأمر الى حد كبير.

وتقول كيكي أوكونيل (66 عاما) من بورتلاند بولاية مين الاميركية لدى اقتراب السفينة من دبي "لا يقلقني الأمر على الإطلاق.. ورغم أنني لا أظن أننا سنرى أي قراصنة الآن كنت آمل في لقاء جوني ديب" مشيرة الى الممثل الاميركي بطل سلسلة افلام "قراصنة الكاريبي".