تخبط السياسة الخليجية يعزز من النفوذ الايراني في اليمن: ولايات قم تتمدد

دويلات للنفوذ الإيراني داخل الدول

دافع التيار الحاكم في إيران للتوسع ومحاولة الهيمنة الإيرانية على منطقة الخليج والجزيرة العربية هو دافع منطقي ومغرٍ بالنسبة للإيرانيين. خلال العقدين الأخيرين استطاع الإيرانيين محاصرة الخليج العربي فعليا وقد تضيق الخناق عليها في وقت قريب.

سياسة دول الخليج العربي - وقريبا الفارسي رسميا – تجاه التوسع الإيراني سياسة تفتقر الى التخطيط الاستراتيجي والخطط المتكافئة والتنسيق البيني وتفتقر الى المبادرة. سياسة دول الخليج تعتبر كلها ردة فعل آنية ولا ترتقي الى حجم الموقف. دول الخليج تعاني من التخبط وتشتيت المواقف بأنواعها المختلفة.

ايران تعتمد في سياستها التوسعية على خطط إستراتيجية ثابتة وقوية بعيدة المدى وتتسم بالمرونة والتكافؤ وهي تسير بخطوات ثابتة ومدروسة ونجحت في اختراق المؤسسات الخليجية لإستخدام المال الخليجي لصالح مشروعها التوسعي لأن التوسع الايراني ينفذ بأموال خليجية. ولم يتوقف الأمر عند المال وحده بل تطور الى الوصول الى مؤسسات خليجية رسمية لدعم هذا التوسع.

دول الخليج فيما بينها لا تستشعر خطر التوسع الإيراني إلا في بعض قنواتها الفضائية المملة والعقيمة ولا تستشعره رسميا إلا في حضرة مسئول أوروبي او أميركي سواء سياسي او عسكري، وهذا ما فهمته ايران وأدركت انه ضعف وتخبط.

الخطاب الإعلامي الخليجي الرسمي والممول ومواقف الخليج الدبلوماسية اغلبها تصب في صالح المشروع التوسعي لإيران ويعزز من نفوذ إيران داخل المؤسسات وفي الوسط الاجتماعي للمجتمعات التي تستهدفها ايران للاستحواذ عليها فكريا ومذهبيا وهي الخطوة الأولى للنفوذ

ايران تعتمد على مد الناس بالافكار الدينية من خلال المذهب الشيعي الذي يعتبر احد اهم الركائز الإستراتيجية للتوسع ومن اجله تبذل جهودا متعددة لإيصال الفكرة المذهبية وغرسها في عقول الناس. وتعمل بالتوازي على ايجاد مؤسسات المجتمعية والخدمية كأدوات تواصل جماهيرية لنسج علاقات متطورة مع الشخصيات والأفراد ونخب المجتمع المختلفة.

إيران استطاعت اختراق المجتمعات الأكثر سنية على مدى التاريخ الإسلامي واستقطبت شخصيات مهمة ومؤثرة من داخل تلك المجتمعات. وهذا ما تفتقر اليه دول الخليج التي لا تتوفر لديها أي خطط لمواجهة هذا التمدد.

انا متأكد ان الإيرانيين تجاوزوا مسألة الاختراق المجتمعي للنخب والأفراد ووصلوا الى اختراق العائلات الحاكمة في دول الخليج وقد يكونون توسعوا وتمددوا داخل القصور الملكية والأميرية والرئاسية. وكل المؤشرات تؤكد على صحة هذا الكلام الذي لا يعد الآن افتراضيا أكثر منه واقعيا.

السياسة الخليجية وتصرفاتها العشوائية ومواقفها الغير متكافئة ساعدت الإيرانيين على الوصول الى اللحظة التي كانت تعتبر الى سنوات قريبة مهمة مستحيلة او حرجة، وهي لحظة التفكير بإنشاء دويلات داخل الدول. دويلة لها مقومات الدولة (الشعب والأرض والدولة). وأهدافها واضحة للعيان في لبنان واليمن والكويت والبحرين والسعودية والإمارات وغيرها بعدما سيطرت كليا على العراق وسوريا. ولن يتوقف هذا التمدد والتوسع عند حدود الخليج فقط، حيث وصل التمدد الى مصر وليبيا والمغرب والجزائر وموريتانيا.

ما يعنيني أنا كيمني هو التمدد الإيراني في بلدي أولا وفي المحيط الذي تقع على جوار منه وهو بالتحديد دول الخليج التي تمثل ركيزة الإغراء للنفوذ الإيراني. وموقع اليمن الجغرافي هو الموقع المناسب لمحاصرة دول الخليج التي تعتبرها إيران امتدادا طبيعيا لدولتها وطموح القادة والسياسيين الإيرانيين.

دول الخليج كما ذكرت في مواضيع سابقة تتعامل مع الآخرين باستعلاء مفرط وتتعامل بفوقية كبيرة وتعتمد في تعاملها على المال كوسيلة أساسية وتهمل باقي الوسائل. والمفارقة واضحة بين الجانبين الإيراني والخليجي من خلال قرب المسافة بينهما، الأول قريب من الناس والمؤسسات التي جندت لخدمة مشروع التوسع رغم البعد الجغرافي، والثاني بعيد وبعيد جدا وبعده هذا ناتج عن استعلاءه وفوقيته التي سببها المال.

المجتمعات التي اقتطعتها إيران وحولتها الى دويلات داخل الدول يظهر فيها الدور الإيراني بشكل بارز وواضح وهذا دليل على السيطرة والهيمنة وقوة التخطيط. دويلات نسختها السياسة الإيرانية ولصقتها في دول النفوذ الإيراني بوسط الخليج والجزيرة، المال الإيراني لا يتساوى مع المال الخليجي ومع هذا نجد ان المال الإيراني المدنس اكثر وأوفر من المال الخليجي والسبب لهذه الوفرة هو دقة التخطيط والابتعاد عن العشوائية ومواقف اللحظة وردة الفعل الانية.

إيران وصلت الى مرحلة إرسال السفن المحملة بأنواع العتاد العسكري وهي معدات حساسة ودقيقة ومن ضمنها اجهزة دعم استخباري إضافة الى معدات صناعة المتفجرات والاغتيالات، يأتي هذا النوع من الإمداد بعد ان وصلت الى مرحلة آمنة وان هذه المعدات تصل الى دويلة (ولاية إيرانية ) وهذا ما تدل عليه السفن الإيرانية المرسلة الى اليمن والتي وقعت بعضها في قبضة الأجهزة الأمنية اليمنية وآخرها سفينة جيهان 1 التي كانت محملة بمعدات عسكرية لا تستطيع دولة اليمن شراءها. كما انه دليل على النوايا السياسية الإيرانية التي أصبحت واقعا ملموسا لممارسة بسط اليد على ولاية صعده الحدودية للسعودية بإعتبارها مركز القيادة والانطلاق لبسط النفوذ في باقي الأراضي على مختلف الاتجاهات.

دول الخليج لا تتعامل بندية مع إيران لوقف تمددها وتوسعها وتتفق سياسة دول الخليج مع الإستراتيجية الإيرانية. مثلا في العراق استطاعت ايران أن تزج دول الخليج بعداء شامل مع العراق شعبا وحكومة حتى تم القضاء على اهم عقبة امام التوسع الايراني المتمثل بنظام البعث في العراق وزعيمه القوي صدام حسين وتم القضاء عليه بقوة المال الخليجي. وبمجرد غياب دولة البعث في العراق وسقوط صدام حسين استلمت ايران العراق فورا في لحظة غياب خليجي كامل وعملت ايران على تقويض المكونات السنية وكانت سببا في القضاء على نظام البعث وعملت على تمكين وتقوية المكونات الشيعية حتى استحكمت على العراق نهائيا.

ما شهده العراق هو نتيجة حتمية لسياسة الخليج الهوجاء. والخليجيون هم من عملوا على تسليم العراق لإيران. وتحقق لإيران أن حاصرت دول الخليج من الشمال والشرق وتعمل على محاصرتها من الجنوب والجنوب الشرقي من خلال وجودها في اليمن التي تتمتع بموقع جغرافي هام تستطيع من خلاله إذلال دول الخليج والتحكم بممرات النفط الرئيسية.

الخليجيون رغم وفرة السيولة المالية الا أنهم لم يحققوا أي نتيجة لوقف التوسع الإيراني بسبب عدم وجود خطط إستراتيجية لهذه المواجهة وتشتت الجهود والعمل الانفرادي الذي يحل عليهم وعلينا بمزيد من التمدد والتوسع.

التكافؤ غير موجود في منهجية السياسة الخليجية وسيطرة التيارات المقربة من الإيرانيين تحت يافطات ليبرالية على المواقع الدبلوماسية والمؤسسات الإعلامية في دول الخليج تنعكس نتائجها لصالح النفوذ الايراني وتساهم من فرص السيطرة على المؤسسات الرسمية.

الإيرانيون يجندون العشرات في دول الخليج واليمن وتتعاظم جماعاتهم التي تمثلهم بشكل متزايد بينما يغادر عدد من مؤيدي فريق مواجهة التمدد الإيراني اضافة الى عدم توفر الإمكانات المطلوبة للمواجهة (وبالمناسبة المواجهة هنا ليست مواجهة عسكرية وانما مواجهة بوسائل حضارية) كما ان فريق مواجهة التوسع الايراني الذي يضم تيارات وأحزاب ومؤسسات ووسائل اعلام ونخب وشخصيات هذا الفريق يعاني من التشتت وعدم توحيد الجهود للعمل بآليات اكثر فاعلية.

وبما ان الدعم الذي يرسل للجماعات التي تمثل ايران هو مال خليجي بنسبة كبيرة وجماعة الحوثي في اليمن تعتمد على المال الخليجي أكثر من المال الايراني وهذا هو سبب تعاظم الدور الايراني في اليمن لمبررات سياسية واهية ناتج عن مواقف شخصية أو مواقف استعباطية أكثر منها مواقف مدروسة، ويغلب على هذه المواقف الثنائية نوع من العقاب.

لا تستطيع ولا تجرؤ دول الخليج ان تقدم دعما رسميا مباشرا او غير مباشر لمؤسسة من المؤسسات التي تتكفل بمواجهة التمدد الايراني ولا يوجد مؤسسة ناجحة او متكاملة في اعدادها وتجهيزها. فمثلا أوجد الايرانيون دعما كاملا لقناة الحوثي الفضائية (المسيرة) وتم توفير وتجهيز مستلزمات النشر والبث. وهذه القناة تمتلك مراسلين ومعدات تفوق قناة اليمن الرسمية ويوجد بهذه القناة شبكة مراسلين داخلية وخارجية قوية. ولم يتوقف الأمر عند هذه القناة بل يعملون للتحضير لقنوات أخرى في اليمن، اذا جاز لنا مقارنة تلك القناة بقناة سهيل ويمن شباب نجد ان الفارق كبير وكبير جدا.

الاهتمام الايراني لا يمكن مساواته بالاهتمام الخليجي، ايران تقدم الدعم وتدعم الخبرات وتعمل على تأهيلها وتدريبها في دول كثيرة، ايران تعمل على كل ما يعزز وجودها في اليمن والمنطقة والخليج يتقهقر كل يوم، الاستعداء وجرح المشاعر وسياسة العقاب مستمرة دون ان تتوقف، لو قرر شخص ما ان يتحول الى الفريق الايراني لن يلاقي أي صعوبة وسيتم التعامل معه بكل جدية بينما الشخص الذي هو موجود ضمن فريق المواجهة للتوسع الايراني لا يستطيع ان يحصل على مجرد فيزة زيارة لأداء العمرة او العلاج او زيارة احد أقاربه في دولة من دول الخليج.

وعلى هذا تقاس باقي المؤسسات. وما أريد الوصول اليه ان التخطيط والاستراتيجية التي تعمل على توحيد القوى والفعاليات وفتح الطريق أمام النخب والطلائع الجديدة يجب ان يؤخذ في البال، ويجب ان يدرك هذا قبل فوات الأوان وقبل ان تستعظم الأمور وتتعقد معها فرص المواجهة.

سفارة ايران مفتوحة لكل العناصر التي لا زالت في طور التهيئة والأعداد وكذلك مؤسساتهم ودعمهم اللوجستي وبإمكان الواحد من عناصرهم الوصول الى أي آية في ايران بينما سفارات الخليج مغلقة أمام اليمنيين ويعملون بشكل ضيق جدا يعتمدون على التقارير الفردية ولا يسعون لتعزيز فريق مواجهة التوسع الايراني بأي شيء وأصبح وجود هذه السفارات يمثل واحدا من اهم الحواجز الرسمية.

أخيرا ما تقوم به ايران من انتهاك واضح لأمن اليمن وسيادته لا يستهدف اليمن وحدها واليمن ليست هدفا بذاتها للمطامع التوسعية الإيرانية وحديث السفير الايراني بصنعاء كان صحيحا وكان يعني ما يقول حين سأل عن التجسس الايراني في اليمن وأجاب بصراحة ووضوح: لا يوجد في اليمن شيء تتجسس عليه ايران. الهدف واضح ان ايران تعتبر وجودها في اليمن مدخلا ومنفذا لبلوغ الغاية وهي السعودية والخليج وسيتحقق الهدف في حال استمرت السياسة الخليجية على هذا التخبط وقراءة الواقع قراءة فردية ويجب وقف عناصر الاستعداء للتيارات الرئيسية لمواجهة ومقاومة التوسع والتمدد الايراني وهذا الاستعداء يمثل اهم المنطلقات التي تعزز فرص الانتشار الايراني السريع، وعلى المؤسسات الخليجية التي تساهم في صناعة القرار ان تستشعر خطر التوسع الايراني قبل ان يقول اليمن كلمتهم وتحل الندامة حينها.