القصيدة العراقية تتجلى في مملكة الألوان التركية

الأضواء انطفأت والأماكن انكشفت

يلتقي الشاعر العراقي عبدالرحمن جعفر الكناني مع الفنانة التشكيلية التركية جولشين أنماك في انجاز عمل فني ابداعي مشترك يتوحد فيه معنى القصيدة الروحي مع مملكة من الألوان القادرة على ايقاظ الحواس في النفس البشرية بتجليات صوفية ترتفع بأجنحة اللا نهائي في عالم غيبي.

ويظهر المشهد التشكيلي في لوحة تبعث الإيقاع اللفظي لمفردات شعرية في مساحة وجود يتسع باتساع الكون اللا متناهي، في طقس صوفي منظور يضحى فيه الانسان وهو يعي سر وجوده بإدراك قدرة الخالق وعظمته.

فيتحقق لقاء الفنانة جولشين مع الشاعر الكناني عبر رؤيتهما المشتركة في إطلاق المنظور الروحي لمعنى القصيد بمنحه شكلا جماليا مزدوجا، له قدرة صياغة الفعل المؤثر وهما يتصاعدان بأحاسيسهما في عالم صوفي، يرتقي بوجود فني، قائم على إبداع جمالي، يحقق الانتقال في درجات النقاء عبر ايقاظ الحواس الصوفية في لحظة قلقة:

يقف الزمن

تحت سماء المدينة

مثقلا بالأحزان

أراه كما لا يراه أحد

ينتظر الرحيل خلسة

من حصار عيني صبية

فرضت طوقا حول المكان

وتتشكل تفاصيل مشهد جديد في عالم آخر، لم ندرك له شكلا، إلا في خيال روحي نجهل الإحساس بوجوده العفوي في عالمنا اليومي المتشعب، رتبته القصيدة في كلمات تؤلف صورة، وجسدته التشكيل الفني في منظر هو ابعد من حدود الإدراك العقلي لروح محاصرة تغادر مكانها التقليدي:

غادرت مخدعها المرتعش

في اهتزازات ليلة قلقة

تنذر النفس روحا

تطارد آثار الفجيعة

ويفضح معنى القصيد ذاتا خذلتها حواسها المبعثرة، في زمن لم يمنحها شعورا بالاستقرار، حتى بدت الحواس وكأنها توقفت عن الحراك قبل إعلان موتها النهائي في خاتمة رحلة البحث عن معنى الأشياء التي فقدت شكلها وطعمها ولونها:

لم يبق سوى مثوى

لركامات حطام ...

الأضواء انطفأت

والأماكن انكشفت

كبحر عتيق

وتقتفي جولشين آثار سريان القصيدة في مجرى انتقالاتها، فتدرك رغبة الذات التائهة بهواجس الخوف في بعث روح الحياة فيها من جديد، فتقدم هذا الشكل المرئي لبلوغ معنى الصفاء المنشود في قدرة خالق عظيم يرعى شؤون خلقه، في رؤية تجسدها بمفردات تشكيلية منحتها القدرة على تفجير ثورة الحواس الغافلة عن رحمة الملكوت الأوحد:

تتلو تراتيل الشمس

المستوطنة ابدا في عيني طفل

حملته الملائكة بعيدا

عن مكان مضطرب

ترك مهده فوق الأنقاض

ضميرا له اسم ومعنى

وذاكرة وجع لا ينسى

واذ بنت اللوحة عالمها التشكيلي من وحي مباديء الهندسة المقدسة التي يتجلى فيها الباطن مقتربا من مدارك العقل، قطعت القصيدة مسارها المعبر عن مخيلة بشرية تجسد رؤية كائنات تتحرك في إطار حدث ما تحت سماء الله.

وقبل ان تتوافق رؤى الشاعر عبدالرحمن جعفر الكناني مع المخيلة الصوفية للتشكيلية جولشين انماك في بناء معادلة فنية لا تترك الاشياء لمحض صدفة عابرة، كان كل منهما يوظف ادواته الجمالية بغية بلوغ الصفاء في حياة بشرية لا معنى لها دون وجود إنساني يبلغ حالات النقاء في تجليات صوفية تمتثل لتعاليم السماء:

الزمن يحرق قارب الرحيل

يعانق الصبية ..

ينفض عنها غبار الفجيعة

فيمضيان معا

يخترقان حرائق الوهم المجنون

نحو المدينة يعيدان لها القها

ويبقى الثنائي المتناغم بإيقاع شعري متصاعد ونبض لوني تدرجت اشتقاقاته المتنوعة بتنوع اشكال الكون ينشد الصفاء في أبدية الخلود.